ابراهيم الزبيدي  

لاشك في أن المواقف الأخيرة التي تبنتها مرجعية السيد السيستاني تستحق التقدير والامتنان، رغم كل الملاحظات والتداعيات والذكريات المرة السابقة عن سلوكها ومشاركتها الفاعلة في صياغة نظام المحاصصة الطائفية الحالي الذي تشكو هي منه، وتنادي بتغييره، وبمعاقبة كبار مستغليه، دون تأخير.

 فإن انحيازها العاجل والساخن إلى الحراك الشعبي، وتبنيها مَطالبَه الملحة في معاقبة الفاسدين، وتلميحاتها التي تُحمِّل أهمَّ السياسيين المحسوبين على إيران، وأولهم وأخطرهم نوري المالكي وأتباعه في ائتلاف دولة القانون وحزب الدعوة، كاملَ المسؤولية عن جميع كوارث الشعب العراقي، ودعمَها القوي للسيد حيدر العبادي، واستمرارَها في الضغط عليه، وتشجيعه على الاستمرار في إصلاحاته، وآخرُها دعوتها إلى إصلاح القضاء، كلُ هذه المواقف تجعل المواطن العراقي يسامح المرجعية عما فعلته بالبلاد والعباد، من أول أيام دخول الأمريكان، وخاصة قيامَها بدور العراب للكثير من القوانين والقرارات الخاطئة والمتحيزة والملغومة التي اتخذها بريمر ومجلس الحكم سيء الصيت، ومنها صياغة الدستور الأعرج المسلوق بعجالة، ومساهمتها الفاعلة في اختراع نظام المحاصصة، وتزكيتها لأهم الرؤساء والوزراء والمسؤولين الذين تسلطوا على مؤسسات الدولة المالية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والخدمية، والذين ثبت، بعد اثنتيْ عشرة سنةً من حكمهم، أنهم لم يكونوا فقط فاشلين ومنافقين ومختلسين نهبوا الدولة وأفلسوها، وحولوا أكثرية الشعب العراقي إلى جياع أو مهجَّرين أو لاجئين، بل كانوا جهلة وحمقى وأغبياء بالغوا في سياسات الهيمنة والديكتاتورية، ولجأوا لكل الحيل والمؤامرات والخيانات لعزل الشرائح الأخرى، وتهميشها، فخلقوا الظروف الحاضنة لداعش، ثم تقاعسوا، بعد ذلك، عن مواجهة عصاباته، وهربوا من ميادين المعركة، وسلموها ثلث الوطن.

 وبالعقل والخبرة والتجربة يصعب كثيرا على المراقب السياسي الموضوعي، وعلى كثيرين من العراقيين، خصوصا في مناطق السطوة الإيرانية المُحكمة في كربلاء والنجف والبصرة وبغداد وديالى، تصديقُ احتمال إقدام المرجعية على معاكسة دولة الولي الفقيه في مناطق سكن الطائفة، وإفشال استعمارها، وحرق أوراقها، وتسقيط أهم وكلائها ومناصريها، وقادة برامجها وخططها في العراق.

 فإصرار المرجعية، غمزا وتلميحا، على ضرورة محاكمة نوري المالكي وأعوانه الفاسدين الكبار والصغار، مع علمها بأن الولي الفقيه نفسَه، شخصيا، معجبٌ به، وملتزم بحمايته من أي حساب، لا يعني سوى أنها تشعل حربَ تكسيرِ عظامٍ حاسمةً وشاملة مع النظام الإيراني في العراق، وتعمل على تحرير الدولة من أذرع أخطبوطه الواسعة المعشعشة في كل مفاصلها. فهل المرجعية تدرك تبعات حرب من هذا النوع؟!.

 أم إن الأمر كله (قد) يكون مسألة توزيع أدوار بينها وبين دولة الولي الفقيه، من أجل إعادة ترتيب الأوراق، وإصلاح بعض الخلل، وامتصاص نقمة الشارع العراقي، وخاصة في المحافظات الشيعية ذاتها، أكثر من السنية، وتقديم بعض التنازلات، وحرق بعض كبار حكام السنوات السابقة، لتطييب الخواطر، وتهداة النفوس الغاضبة، وتبرأة النظام الإيراني من فساد الفاسدين، أولا، وتزكية المرجعية والائتلاف وحزب الدعوة، ثانيا، وإعادة صياغة وجهٍ جديدٍ للحكم ليبقى دينيا طائفيا شيعيا، قبل خسارة السلة كلها، وقبل اشتعال ثورات وانتفاضات شعبية أصبحت أمرا مؤكدا إن لم تسارع، هي وإيران، إلى تبديل قواعد اللعبة، وركوب موجة الاحتجاجات، أو سرقتها، بعبارة أصح، بتبنيها، وتنفيذ بعض مطالبها، جنبا إلى جنب مع محاولة اختراقها بالحشد الشعبي، وتحويلها من انتفاضة تهدد النظام، إلى مبايعة شعبية مبتكرة لإعادة تقوية النظام، والمد في عمره الطويل.

 والذي يعزز هذه الفكرة أن النظام الإيراني، في أعقاب التفاهم مع أمريكا، لم يبدأ بتغيير سياساته الاستراتيجية، في العراق وحده، بل هو منغمس في مراجعة وقائع معاركه الخاسرة في اليمن وسوريا، بشكل خاص، وميال إلى إظهار نوع من التهدأة مع الدول العربية القوية وتركيا، بالحوار، وتوظيف أجواء الانفراج التي أتاحها الاتفاق النووي مع أمريكا لخدمة المرحلة القادمة من الصراع على النفوذ في الإقليم. وربما تكون أولى إصلاحاته المهمة، استعدادا للمرحلة القادمة، تغيير خيوله القيادية الخاسرة، أمثال نوري المالكي وعبد الملك الحوثي، وتقديم خيول جديدة أقوى وأكثر صلابة، ولم تُستهلك بعد.

 وما يدفع إلى التمسك بهذه الفرضية هو أن الفرق شاسع جدا بين برودة المواقف السابقة التي دأبت مرجعية السيد السيستاني على اتخاذها، من بداية الغزو الأمريكي للعراق، وحتى الأمس القريب، إزاء شكاوى المواطنين من فساد السلطة، واستغلال النفوذ، وقلة الخدمات الضرورية، وبين موقفها الأخير الذي يبدو ثوريا أكثر من ثورية المحتجين أنفسهم، وحماسِها الكبير

 والساخن لإجراء التغيير، ومحاسبة المقصرين، ومعاقبة الفاسدين، وإصلاح القضاء، ووقوفِها الحازم والحاسم مع حيدر العبادي، والعمل الدؤوب على تحويله إلى قائد التغيير المنتظر، والزعيم الوطني العادل الذي لا يخاف في الحق لومة لائم، وكأنه ليس قياديا في حزب الدعوة الذي زرع الفساد، وتولاه بالسقي والمداواة والمداراة، إلى أن أفسد الحقل كله. وكأن إيران ليست مسؤولة عن تنصيب نوري المالكي وإخوته (المجاهدين) الآخرين أول مرة، ولم تكن هي التي أعادت تنصيبه مرة ثانية، ولا كانت ساكتةً ومباركة لكل ما قرره ونفذه من سياسات وإجراءات وتعديات، وإثارة خلافات ونزاعات مذهبية وعنصرية بين العراقيين، ولا استفادت من عبثه بأموال الشعب العراقي، ومن اختلاسات ولده وصهريه وأعوانه الكبار وتحويلاتهم إلى طهران وسوريا، على مدى ثماني سنوات، على مسمع ومرأى المرجعية والسفارة الإيرانية، أولا بأول.

 ولو كان المرجع الأعلى السيد علي السيستاني قد أعطى المواطنين العراقيين، وخاصة رعايا مرجعيته على الأقل، نصفَ مواقفه العادلة التي يطلقها اليوم لكان قد غير وجه تاريخ العراق والمنطقة، ولأعاد نصف الحق إلى أصحابه المظلومين المسروقين المُستعبَدين.

 ولو لم يمنح ثقته المطلقة لقائمة الائتلاف الموحد رقم 169، طالبا منها تثبيت أساسيات حكم المحاصصة الطائفية، لما جعل قادة الائتلاف يعتقدون بأن المرجعية تعطيهم الحق الكامل في إدارة الحكم دون رقابة ولا محاسبة، والعمل على تعميق السطوة الكاملة لأحزب التحالف الطائفي على جميع شرائح العراقيين الآخرين.

 وهذا ما أثار حفيظة الشرائح الأخرى، وأسس للخلافات، وجعل تمثيل السنة في السلطة هامشيا ومحتكرا من قبل سياسيين طارئين يبحثون عن مناصب ورواتب ومكاسب، غير عابئين بالظلم الذي يمارسه حزب الدعوة وشركاؤه في التحالف الوطني، والمليشيات الطائفية، ضد أبناء المحافظات الأخرى.

 وهذا، بالتحديد، ما قاد إلى الاعتصامات، ثم إلى الحملات القمعية التي قام بها جيش الحكومة ضد المعتصمين المسالمين، الأمر الذي وفر لداعش بيئة مثالية للنمو والتكاثر والانطلاق، ليصل الوطن إلى ما هو عليه اليوم.

 والحقيقة أن الأمل ما زال حيا وقويا في أن تكون المرجعية مخلصة في توجهاتها الجديدة، رغبة منها في التكفير عن ذنوبها السابقة، وليست جزءً من خطة لتبييض وجه حزب الدعوة الأسود، وإعادة تأهيل حكم الطائفة الواحدة، برضا إيران وبالتنسيق معها، لإنقاذ السفينة

 وحمايتها من الغرق، وعلى أيدي أبناء الطائفة الوطنيين العراقيين النجباء، وليس على أيدي القتلة الداعشيين والقاعديين والبعثيين، قبل فوات الأوان.