إيران: لماذا انفجرت الاحتجاجات.. وماذا سيحدث بعدها؟


كاظم الموسوي

قدمت الجمهورية الإسلامية في إيران، الاربعاء 2018/1/3 رسالة الى الأمم المتحدة تندد فيها بالتدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية، واتهمت الرسالة التي وجهتها إلى الأمين العام للأمم المتحدة، انطونيو غوتيريش، الإدارة الأميركية بالقيام “بمحاولات واسعة للتدخل في الشؤون الداخلية لإيران”. وأشارت الحكومة الايرانية إلى إن “الإدارة الأميركية الراهنة تتخطى كل الحدود بانتهاكها قواعد القانون الدولي ومبادئه التي ترعى السلوك المتحضر في العلاقات الدولية”. وأضافت “خلال الأيام الأخيرة زادت الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس الأميركي من تدخلاتها الفاضحة في الشؤون الداخلية لإيران بذريعة تقديم دعم لمظاهرات متفرقة”.

ارادت الحكومة الإيرانية في رسالتها اشهار تحذير وتحرك سياسي يرد على الحكومات الخارجية التي تحاول التدخل في تأجيج الأوضاع الداخلية أو استغلالها وصب الزيت عليها باشكال مختلفة لا تمت بصلة الى العلاقات الدولية أو القانون الدولي، والتدخلات الخارجية ليست جديدة. فقد فعلتها الإدارة الأميركية مرارا، لوحدها او مع توابعها، والشواهد واضحة ومعروفة. لعل من بينها ما سعت إدارة الرئيس دونالد ترامب الى عقد جلسة للأمم المتحدة لمناقشة الأوضاع في ايران، والتي عدها أعضاء في مجلس الامن، تدخلا سافرا في الشأن الداخلي مدمرا.

جاءت التدخلات الخارجية الجديدة بعد تهديدات صريحة ومن ثم استغلال لحركات احتجاجية مشروعة، اعترف الرئيس الإيراني حسن روحاني بها. حيث بدأت موجة الاحتجاجات في مدينة مشهد، وبلدات أخرى. وليس في العاصمة طهران او المدن الكبيرة الاخرى، كاصفهان وتبريز . وحسب وكالات الأنباء أن المحتجين ركزوا في انتقاداتهم على حكومة الرئيس حسن روحاني، فيما نقلت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية (إسنا) عن محافظ مشهد محمد رحيم نورزيان قوله إن “المظاهرة كانت غير قانونية، ومع ذلك تعاملت الشرطة معها بكثير من التسامح”.

وقال النائب، حميد غارمابي، من مدينة نيسابور قرب مشهد، لوكالة فارس إن هناك أزمة كبيرة في مشهد سببتها المؤسسات المالية غير القانونية”. وأشار النائب إلى انتشار واسع “لمؤسسات القروض المالية غير القانونية” في الفترة ما بين 2005 و2013. وتسعى حكومة روحاني منذ 2013 إلى تطهير القطاع المالي، وأغلقت ثلاث مؤسسات قروض كبيرة، وابرزها ميزان، وأمر البنك المركزي بتعويض ودائع المستثمرين، ولكن العملية لم تتم بالسرعة الكافية. وكانت مشهد من بين المدن الاكثر تضررا من إغلاق مؤسسة ميزان التي كانت تدير نحو مليون حساب بنكي، وأدى إغلاقها إلى العديد من المظاهرات في عام 2015، حسب وكالة الأنباء الإيرانية إيرنا. وتعرضت المدينة إلى ضربة موجعة أخرى بعد فشل مشروع ضخم عام 2015 لبناء مدينة جديدة قربها، وأدى هذا الفشل إلى خسارة 10 آلاف مستثمر لأموالهم.

إضافة إلى ما تعرضت له مدينة مشهد، وفق البي بي سي بالفارسية، فاقمت الاوضاع سوءا، ما اعلنته الحكومة في الشهر الماضي من ميزانية جديدة وقرارات رفع الدعم عن بعض السلع، ورفع سعر الوقود، وزيادة في الضرائب واسعار السلع الأساسية الاخرى. خصوصا زيادة أسعار البيض بنحو 40 في المائة، وهو الغذاء الأساسي لأبناء الطبقة العاملة في إيران. فضلا عن البطالة عموما التي بلغت معدلاتها خلال العام المالي الحالي 12.4 في المئة، بزيادة 1.4 في المئة عن العام السابق، حسبما أكد مركز الإحصاء الإيراني. زيادة على تفشي الفساد وسوء الادارة التي حذر الرئيس منها ايضا. كما ان ارتفاع معدل التضخم ووصوله إلى 8 بالمئة، وهناك من يضاعفه، زاد من الأوضاع الاقتصادية تدهورا، وانعكست عليها اثار الحصار والعقوبات المخططة والمنظمة التي عملت عليها دول التدخل، وتسعى الان الى مضاعفتها، وتجميد ما كان معولا عليه من الانتهاء من الاتفاق النووي، وتطوراته على الصعد الأخرى.

اجمالا هذه العوامل كانت وراء اندلاع الاحتجاجات وتصاعدها، وبينت الشعارات التي رددها المحتجون بواعثها الاقتصادية بالأساس وتوجهها ضد الغلاء والتدهور الاقتصادي والفساد الحكومي والسياسات الاقتصادية الفاشلة، لكن ما حدث خلال الأيام التالية فاجأ الساسة الإيرانيين. فالمظاهرات التي بدأت ضد سياسات الرئيس روحاني تطورت في اتجاه اكثر خطورة ضد القيادة الدينية للبلاد وردد المتظاهرون شعارات ضد قائد الثورة علي خامنئي. وامتدت الى مدن اخرى في مختلف أنحاء البلاد وتطورت الشعارات بشكل سريع أيضا مطالبة بإنهاء الدعم الإيراني للقوى الحليفة في خارجها. واتسعت اشكالها مع التحريض الخارجي الى اعمال عنف وتخريب لمؤسسات الدولة والشعب.

كما أن القوى الأمنية تعاملت معها بنوع من التأني، وعدم الرد عليها بالقوة، وهو ما وضحته بعض المشاهد المصورة على شبكة الإنترنت حيث هتفت امرأة “الموت لخامنئي” في وجه أحد الضباط الذي نظر إليها دون ان يحرك ساكنا. وكذلك الوقوف أمام رفع الشعارات الاخرى، والمظاهرات والاحتجاجات السلمية، قبل توسعها وقيام البعض من المتظاهرين بالتخريب والحرق والعنف. وهذا التصرف الرسمي جزء من ستراتيجية الدولة في التعامل مع الاحتجاجات، تدرجت مع حركة الاحتجاجات وشعاراتها، واستخدمت الوسائل الممكنة لديها. والتي تؤشر إلى ما يمكن أن تصله لاحقا.

بديهيا تحركت الاحتجاجات في الواقع لأسباب اقتصادية معيشية ضد سياسات وقرارات مجحفة بحق قطاعات واسعة من المجتمع، لاسيما مع ازدياد نسب البطالة ونسب الفئات الاجتماعية التي تعيش تحت خط الفقر، وتفشي الفساد وارتفاع الأسعار عموما. كما أنها اندلعت خارج العاصمة اولا، وفي الاحياء الفقيرة، وعدم بروز رؤساء او قيادة معروفة لها، مع انفضاح محاولات التدخل الخارجي أو المخطط لها، لتصعيدها، مما يظهر مآلاتها الحالية غير محددة، ولا يمكن توقع ما يمكن ان تسفر عنه.

ما يلفت الانتباه حقا هو مواكبة التدخلات الخارجية وآلية تنظيم حملات هجومها على مختلف الصعد، ابرزها الإعلامية، التي تمثلت بتأسيس قنوات فضائية ناطقة بالفارسية والانجليزية، ومحطات رصد وتضليل إعلامي ومراكز وغرف عمليات أمنية في أربيل العراقية وهرات الأفغانية وخزن أسلحة وتجهيز توزيعها في ظروف لاحقة وأماكن مخطط لها، وتشويه طبيعة الاحتجاجات وتصعيد الهجوم نحو الاعلان عن اسقاط النظام وتغييره. وقد وظفت لها وسائل إعلام صهيو أميركية ناطقة بالعربية إضافة إلى تبذير الملايين من الدولارات على مواقع ومرتزقة لها للقيام بالمهمة القذرة التي تعرفها في التضليل والتشويه والتخريب، واستغلال كل وسائل الاتصال الاجتماعي والاعلامي المتاحة. يشير كل هذا إلى طبيعة التدخل ومشاريعه وخططه المسبقة.

إلى أين هذه الاحتجاجات؟. واضح أن وقائعها تقول بأن مضمون الشعارات الاولى واصداء التدخلات الخارجية والتميز بينها وما سبقها يقدم درسا جديدا لابد من أخذه بالتغيير في السياسات الداخلية اساسا، لاسيما اعادة النظر في السياسات الاقتصادية والاستثمارية، والرد المباشر على اسباب الاحتجاجات بما يسحب منها زخمها التعبوي ويسقط حججها المعلنة. كما يكون التصدي المتكامل والممنهح ضد التدخل الخارجي عبرة أخرى للإدارة والشعب، وهو ما برز في التظاهرات المقابلة والحراك السريع للدولة العميقة في ايران. هذا يعني أن الاحتجاجات هذه ومهما بدت او تطورت لابد وأن توفر للدولة فرصة أخرى للدخول في اختبار الإصلاح والبناء.



الردود

اترك رد