هل نشارك بالانتخابات ام نقاطعها ؟


 امجد الدهامات

اسمحوا لي، أيها السيدات السادة، ان افكر بصوت عالِ، واسأل نفسي بعضَ الأسئلةِ وأجيب عليها:

سؤال: بشكل عام، هل المشاركة بالانتخابات هي حقٌ أم واجبٌ؟

اعتقد ان المشاركة هي حقٌ وواجبٌ بنفس الوقت، بمعنى انهُ حق شخصي للمواطن يستطيع ان يستخدمه أو يرفض استخدامهُ بمحض اردتهِ، لكنه في نفس الوقتِ واجبٌ عليه، طبعاً ليس بالمعنى القانوني الحرفي، ولكن بالمعنى الوطني والاجتماعي، بوصفهِ مواطنٌ يعملُ من أجل مصلحة بلده، ومن هذا المنطلق ألزمتْ بعضُ الدولِ مشاركةَ مواطنيها بالانتخابات وفرضتْ عقوباتٍ ماليةٍ على عدمِ المشاركةِ، كما هو الحالُ في بلجيكا وأستراليا، اعتقدُ انَّ المقاطعةَ هي استقالةٌ من أداءِ الواجبِ وتنازلٌ عن الحقَّ، مع انها خيارٌ محترمٌ بالنهايةِ.

سؤال ثانٍ: لماذا أشاركُ بالانتخاباتِ اصلاً؟

رغمَ كلّ مساوئ النظامِ السياسي الحالي، ولكن لابد من المشاركة، لان الديمقراطيةَ ممارسةٌ عمليةٌ وليستْ نظريةً فقط، نعم تتكرر الأخطاء وسوءِ الاختيارِ في بداياتِها، وهذا شيءٌ طبيعيٌ، لكن مع تكرار العمليةِ تقلُ الأخطاءَ تدريجياً، ثم ان المشاركةَ تعني اثبات الوجودِ والحضورِ، ان المواطنَ رقمٌ مهمٌ ومؤثرٌ ولو على المدى المتوسطِ أو الطويلِ.

سؤال آخر: ماذا كانتْ نتيجةُ المقاطعةِ المسيحيةِ لانتخابات البرلمان اللبناني عام (1992)، ومقاطعةُ السنةِ العربِ للانتخاباتِ العراقيةِ عام (2005)؟

في المثال اللبناني، وهو الأقربُ للواقع الطائفي العراقي، لم تُمثل الطائفةُ المسيحيةُ بشكل يحاكي واقعها، فقد استغلَ بعضُ المغمورين فرصةَ مقاطعةِ الانتخاباتِ ليرشحوا انفسهم وبالتالي الحصول على مقاعد ببضع مئاتٍ من الأصوات، وعندها احسَ الجمهورُ بالغبنِ كون أعضاءُ البرلمان لا يمثلونهم تمثيلاً حقيقياً، ولا زالوا يعانونَ لحدِ الان كونَ ذلكَ البرلمانُ بالذات هو الذي أقرَ التعديلاتِ على الدستور اللبناني، اما المثالُ العراقي، فقد احسَ السنةُ العربُ بخطئهم عندَ الوصولِ للاستحقاق الكبير وهو كتابةُ الدستورِ، الامرُ الذي يعانون منه لحد الآن.

سؤالٌ جديدٌ: هل تؤثرُ نسبةُ المشاركةِ على شرعيةِ الانتخاباتِ؟

باستثناء بعضُ الدولِ القليلةِ التي تنصُ دساتيرُها على وجوبِ توافرُ نسبةَ مشاركة معينة، فإن اغلبَ الدولُ لا تضعُ حداً أدنى لنسبةِ مشاركةِ المصوتينَ، وبالتالي فمهما كانتْ النسبةُ تكون الانتخاباتُ شرعيةَ من الناحيةِ القانونيةِ، مع ان ذلك بحد ذاته يحملُ رسالةَ واضحةَ من الناخبين الى الطبقة السياسيةِ الحاكمةِ في البلدِ المعني، لكنه لا يخدشُ بصحةِ الانتخاباتِ، فقد بلغتْ نسبةُ المشاركةِ في الجزائر (38%) عام (2017)، في فرنسا (36%) عام (2009)، في زامبيا (32%) عام (2015)، في ايطاليا (18%) عام (2009)، وفي مصر (12%) عام (2012).

سؤال: هل يتدخلُ المجتمعُ الدولي عندَ مقاطعةِ الانتخابات؟

لا يوجدُ في القانون الدولي نصٌ يعطي الأمم المتحدةُ الحقَ في التدخلِ عندما تتدنى نسبةُ المشاركةِ في دولة ما، والدليل على ذلك ببساطةِ ان هذا لم يحدثْ، نعم احياناً تتوسطُ الأممُ المتحدةُ أو بعضُ الدولِ عند حدوثِ اضطرابات أثر انتخاباتٍ متنازع عليها، مثلما حصلَ في غامبيا عام (2017)، اما ما حصلَ في كمبوديا (1992) وتيمور الشرقية (2001)، عندما ادارتهما الأممُ المتحدةُ واجرتْ الانتخاباتِ فيهما، فقد تمَّ بناءً على اتفاق بينَ اطرافٍ متعددةٍ، اذن دورُ الأممِ المتحدةِ هو مساعدةُ دولةٍ معينةٍ على اجراء الانتخابات فيها بناءً على طلبها، أو طلبِ مجلسِ الأمنِ عندَ إنشاءِ بعثات لحفظ السلام بشرط موافقة الدولة المعنية، وقد يحدث ان تتدخلَ دولةٌ عظمى في بلدٍ ما مثلما فعلتْ فرنسا في ساحل العاج عام (2011).

السؤالُ قبلَ الاخيرِ: هل الديموقراطيةُ تحتاجُ الى وقتٍ طويلٍ لتترسخَ في مجتمعٍ ما؟ بمعنى أخر هل يمكنُ استيرادَ وتصديرَ الديمقراطيةُ؟

من البديهي ان بناءَ الديمقراطيةُ يحتاجُ الى زمنٍ طويلٍ نسبياً، خاصةَ في المجتمعاتِ التي خضعت للحكم الدكتاتوري الشمولي، لكن في هذا العصر اصبحَ من الممكن تقليصُ هذه الفترةُ، ولهذا لم تكن الفتراتُ الانتقاليةُ طويلةً في اوربا الشرقيةِ بعد انهيارِ الشيوعيةِ، ومعَ انها لم تكن سهلة لكنها تمتْ بطريقةٍ سلميةٍ متدرجةٍ، كذلك في امريكيا اللاتينية وافريقيا، المعقلين الكبيرين للدكتاتورية، حدثَ انتقالٌ تدريجيٌ للديمقراطية وحصلتْ انتخاباتٌ حرةٌ في دولٍ كثيرةٍ، (البرازيل، الارجنتين، السنغال، غانا، … الخ)، وكان للمجتمعُ المدنيُ ووسائلُ الاعلامِ دوراً كبيراً في توعيةِ وتدريبِ الناخبينَ، كما ساهمَ وجودُ المراقبين الدوليين في نزاهة الانتخابات، طبعاً هذا لا يعني ان الديمقراطيةَ الليبرالية هي تنظيمُ انتخاباتٌ دوريةٌ فقط ولكن يتطلبُ ذلكَ أيضاً نظاماً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ليبرالياً قائماً على التمسك بالدستور، سيادةِ القانونِ، التعددية، الحريات الفردية، الحوكمةِ الرشيدةِ، احترامِ الرأي الآخر، حصرِ السلاحِ بيد الدولةِ، اقتصاد السوقِ، الحمايةِ الاجتماعيةِ، … الخ.

السؤال الأخير: ولو انه بعيدٌ، نوعاً ما، عن الموضوعِ الأساسي لهذهِ الورقةِ، في حالِ تأجيل الانتخاباتِ، ما الضمانْ الا يتكرر هذا التأجيلُ، بعد استسهالِ التأجيل الأول؟

كما في المثال اللبناني دائماً، عندما استسهلتْ الطبقةُ السياسيةُ عمليةَ تأجيلُ انتخابِ رئيس الجمهورية للمرة الأولى في عهدِ الرئيس (بشارة الخوري) عام (1948) فقد تكررَ الامرُ نفسهُ تقريباً معَ كلَّ رئيسِ جمهورية، الى ان وصلَ الامرُ الى البرلمانِ، حيثُ تمَّ تأجيلُ الانتخاباتِ والتمديدُ للبرلمان الحالي ثلاثَ مراتٍ.

بالنهاية ماذا تريدُ انْ تقولَ:

أقولُ: الأفضلُ هو المشاركةُ بالانتخاباتِ، وبمرورِ الزمنِ نتعلمُ من اخطائنا … ان الديمقراطيةَ، أيها السيدات والسادة، قادرةٌ على حمايةِ نفسِها.

 

 



الردود

اترك رد