حرائق الشورجة في بغداد.. تصفية حسابات بدعوى "التماس الكهربائي"


 

سومر نيوز: يتعرض سوق “الشورجة” في العاصمة بغداد، والمناطق المحيطة به إلى حرائق بشكل مستمر، يعزوها المسؤولون إلى اهتراء الأسلاك الكهربائية، نظرًا لِقِدم المنطقة وإمداداتها من الطاقة، فيما يتحدث أصحاب المحال التجارية والبسطات في المنطقة إلى تصفيات وعداوات بين التجار، ويحللها سكان بغداد بأنها محاولة لإثارة الفوضى في المدينة بشكل عام، ونظرًا لحساسية المنطقة وأهميتها اقتصاديًا؛ فإثارة الفوضى فيها سيسبب خسائر اقتصادية؛ ما من شأنه إثارة نقمة الشارع على الجهات المعنية والمسؤولين الحكوميين.

 

حرائق مفتعلة

 

حيث كشف عضو اللجنة الأمنية في مجلس محافظة بغداد “سعد المطلبي”، أن “بعض حرائق “الشورجة” كانت مفتعلة نتيجة للتنافس غير الشريف بين التجار، ورغبة بعضهم لاحتكار بضاعة ما على حساب الآخر، فضلًا عن ما تحمله من طبيعة ثارات أو عداوات بين أرباب العمل”.

 

ويضيف “المطلبي” قائلًا: “خصوصًا إذا ما علمنا أن سعر المتر المربع الواحد في “الشورجة” وصل إلى ثلاثين مليون دينار”، لافتًا إلى أن “التجار يعارضون أية عملية تنظيم وتأهيل للمنطقة، وأن المحافظة سبق وأن اقترحت جملة حلول ومعالجات لهذه القضية، أبرزها نقل المناطق التجارية إلى أطراف بغداد“.

 

وسؤال يحير الشارع العراقي مع كل حادث، أو خرق أمني يحصل في العراق عمومًا، وبغداد بشكل خاص، فالقادة الأمنيون يحمّلون المواطنين مسؤولية حرائق “الشورجة”، ويتحدثون عن إهمال في استخدام الكهرباء أو رمي أعقاب السجائر من دون إطفائها بشكل كامل، أو عدم إعادة تأهيل محالهم التجارية وأسلاكها المتهرئة.

 

من جانبه الضابط في عمليات بغداد “حسين قاسم”، يؤكد أن أغلب الحرائق التي حدثت في “الشورجة” ومناطق أخرى في بغداد؛ سببها تماس كهربائي يحدث في المحال التجارية بسبب قِدَم هذه المحال، وإهمال أصحابها في إعادة ترميمها.

 

كما حمّل بعض التجار وأصحاب البسطات مسؤولية هذه الحوادث أيضًا؛ بسبب رمي أعقاب السجائر من دون إطفائها بشكل كامل، مما يتسبب -بطبيعة الحال- بحريق يتطور؛ ليصبح مدمرًا بسبب وجود المواد الكيميائية والأخشاب والملابس في هذه المنطقة.

 

وأضاف الضابط، أن عمليات بغداد تفتح تحقيقًا بعد كل حريق، وأن عددًا محدودًا منها يكون بفعل فاعل، كما يتم القبض على الجناة بعد أيام قليلة، وغالبًا ما يكون السبب تصفية حسابات بين التجار.

 

يشار إلى أن تبادل الاتهامات بين المواطن والمسؤول؛ ظاهرة طبيعية طالما يعيشها الشارع العراقي؛ بسبب الفجوة الحاصلة بين الطرفين، وانعدام ثقة المواطن بالمسؤول والأجهزة الأمنية، التي طالما تتستر على ممارسات بعض العناصر والجهات المتنفذة.

 

حرائق لتصفية حسابات

المواطن “أبو حسين” -37 عامًا-، صاحب بسطة في “الشورجة”، تحدث عن حوادث الحريق المتكررة في السوق قائلًا: “نشب خلاف بين أحد التجار -والذي يملك محلًا كبيرًا للجملة- مع تاجر آخر معروف عندنا في السوق بانتمائه لأحد الفصائل المسلحة، وصل الخلاف للتهديد بالتصفية الجسدية، وبسطتي كانت بجوار محل التاجر الذي يملك محلًا للعطور ومستحضرات التجميل، وبعد أسبوع على الخلاف؛ نشب حريق في محل التاجر، أدى إلى دمار كبير بسبب ما يحويه من مواد كيمياوية، مما تسبب بتضاعف الحريق، وصعوبة إطفائه من قبل سيارات الحريق التي جاءت متأخرة أصلًا، وبالتأكيد لم يستطع أحد الكلام؛ لأن سطوة التاجر ستكون له بالمرصاد”.

 

وأضاف “أبو حسين”: هذا الحادث ليس الوحيد، لكنني شاهد عليه؛ لذلك تحدثت عن تفاصيله، لكن أغلب حوادث الحريق تحدث نتيجة خلافات بين التجار، واستهتار بعض العناصر، وأردف متسائلًا: بغداد تشهد حوادث حريق في مناطق مختلفة وليس فقط “الشورجة”، فإذا كانت الحكومة تعزو الحرائق في “الشورجة” إلى قِدَم المحال التجارية فيها واهتراء أسلاك الكهرباء، فماذا عن الحرائق التي حدثت في شارع الربيعي وغيرها من المناطق؟

 

من جانبه يتحدث المواطن “علاء” -45 عامًا، عن التحقيقات التي تجريها القوات الحكومية بعد كل حادث حريق، ومتسائلًا عن نتائجها، خصوصًا وأن القوات كانت قد ألقت القبض على عدد من اللصوص الذين كانوا يسرقون المحال التجارية أثناء الحريق وإثارة الفوضى، ولماذا لم يتم الكشف عن الجناة أو اتخاذ تدابير احترازية فيما يخص المحال التجارية، التي تدّعي القوات الأمنية أنها قديمة، وبحاجة إلى تأهيل؟

 

ويضيف “علاء”: أعتقد بعد الدمار والخراب والخسائر التي مُنيت بها هذه المنطقة، التي تعتبر القلب التجاري للعاصمة، كان يفترض بالحكومة إجبار أصحاب المحال التجارية على إعادة تأهيل محالهم؛ كي لا تتسبب حوادث الكهرباء فيها لتلف محال أخرى لا ذنب لأصحابها، مُحمّلًا الجهات المعنية مسؤولية هذه الحرائق، سواء كانت الأسباب انتقامية وجنائية أو قِدَم المحلات، مؤكدًا أن الحكومة يجب أن تتدخل في جميع الأحوال، ويكون لها كلمتها.

 

خسائر اقتصادية

 

أما الحديث عن الخسائر، فقد تسبب حوادث الحرائق في سوق “الشورجة” خسائر اقتصادية فادحة؛ لما لهذه المنطقة من أهمية اقتصادية كبيرة، وتمركز للأسواق، ومحال الجملة والمفرد، حيث وصلت خسائر حريق واحد من هذه الخسائر -والذي استمر لثلاثة أيام- إلى عشرة مليارات دينار، بحسب تصريح لمجلس بغداد.

 

“حدوث هذا الكم من الحرائق في الوزارات والدوائر يحدث للتخلص من وثائق تتعلق بالفساد المالي والإداري المستشري”

 

ومن وجهة نظر اقتصادية؛ يؤكد الخبير الاقتصادي “همام الشماع” في تصريحه لــ”وكالة يقين”، أن حرائق “الشورجة” تسببت بخسائر فادحة للتجار الذين تعرضت بضاعتهم للحرق، مبينًا أن سوء التنظيم، والاكتظاظ السكاني، وسوء التخزين للمواد، ووجود مولدات الكهرباء بشكل عشوائي، وانعدام الرقابة، كله يتسبب بهذه الحرائق، ويؤدي إلى دمار في السوق، وخسائر كبيرة في أهم مركز تجاري في بغداد، والذي يعود تاريخه إلى سنوات عديدة.

 

وبيّن “الشماع”، أن استمرار هذه الحرائق قد يؤدي إلى انتقال مركز التجارة من “الشورجة” إلى مناطق أخرى؛ بسبب تخوف التجار من تكرار هذه الحوادث، والتسبب بخسائر مادية كبيرة لهم، وأضاف، من واجب الحكومة تعويض المتضررين في حال كانت نتائج التحقيقات تظهر أن الحرائق بفعل فاعل، مشيرًا إلى أهمية التأمين على المحال التجارية من قبل التجار؛ للحصول على تعويض من قبل الشركات في حال كان سبب الحريق تماسًا كهربائيًا، والذي لا تتحمله الدولة بطبيعة الحال.

 

وليست حرائق سوق “الشورجة” الوحيدة ضمن مسلسل الحرائق في العراق بصورة عامة، وفي بغداد على وجه الخصوص، حيث تعرضت مؤسسات ووزارات تابعة للدولة لحرائق مماثلة، تم اكتشاف أبعادها فيما بعد، والذي يعود إلى إخفاء ملفات فساد في هذه المؤسسات.

 

حرائق مفتعلة لتغطية الفساد

 

حيث بدأ مسلسل حرائق الوزارات والمؤسسات الحكومية عام 2007 في وزارة النفط، تلاه حريق آخر عام 2008، شمل الطابقين الثاني والخامس من مبنى وزارة التجارة ببغداد، واللذين يحتويان على ملفات خاصة وبيانات، كما نشب حريق آخر في شعبة العقود والتراخيص بوزارة النفط عام 2009، وحريق في وزارة الصحة شمل طوابق تضم عقود شراء الأدوية، وحريق نشب في البنك المركزي، وحرائق في الأسواق العامة.

 

“يحاول المتورطون إخفاء ملفات فساد من خلال حرقها، وتهديد من يحاول كشفها من دون رقابة من الجهات المعنية”

 

كما شهدت مخازن الخطوط الجوية العراقية أواخر تشرين الثاني 2017 حريقًا أدى إلى احتراق وثائق ومراسلات ومستندات مختلفة، أعقبه حريق مماثل في أحد أقسام وزارة التجارة ببغداد.

 

وبحسب مراقبين؛ فإن حدوث هذا الكم من الحرائق في الوزارات والدوائر يحدث للتخلص من وثائق تتعلق بالفساد المالي والإداري المستشري، والذي يتم احتواؤه بفتح تحقيق في الحادث من دون نتائج.

 

ويؤكد مصدر حكومي في وزارة الصحة، أن الحرائق التي طالت الوزارة كانت تستهدف طوابق تحتوي على عقود واتفاقيات أُبْرِمَت مع عدد من الشركات الأجنبية، والخاصة بتجهيز المؤسسات الصحية والمستشفيات بالأجهزة الطبية والأدوية والمواد الرئيسية التي تحتاجها.

 

ويضيف المصدر –الذي طلب عدم الكشف عن اسمه-، أن نتائج التحقيقات أظهرت أن الحرائق حدثت بفعل فاعل؛ بسبب وجود عمليات فساد وكسب غير مشروع في هذه العقود، مما يدفع المتورطين إلى إحراقها للتخلص من الأدلة على فسادهم، مشيرًا إلى سيطرة الأحزاب المتنفذة بالدولة على زمام الأمور داخل الوزارة، مما يمنع فرق التحقيق من أداء واجباتهم.

 

وهكذا يحاول المتورطون إخفاء ملفات فساد من خلال حرقها، وتهديد من يحاول كشفها من دون رقابة من الجهات المعنية، وهذا يعني أن المسؤول عن هذه الملفات هي جهات متنفذة في الدولة، الأمر الذي يمنع القضاء من أداء مهامه، ولجان التحقيق من التوصل أو نشر الحقائق حول هذه الحرائق.

 



الردود

اترك رد