رئيس التحرير

منذ التحول السياسي الذي نقل العراق من صندوق الديكتاتورية الأسود الى فضاء التجربة الديمقراطية الرحب، حملت قطر فؤوسها الخبيثة وانهالت ضربا على نبتة الديمقراطية العراقية، محاولة قتلها وهي في طور النمو الفتي. فراحت تغدق أموالها القذرة على مرتزقتها في الداخل ممن فقدوا ضمائرهم وتنكروا لانتماءاتهم، ووجهتهم الى لعب دور الخلايا السرطانية في الجسد العراقي المنهك من الحروب والحصار ومصاعب وتحديات الانتقال السياسي بكل تمفصلاته، فراح هؤلاء يتحينون كل فرصة لتقويض أي محاولة تقدم نحو الاستقرار، حتى وصل العراق الى ما وصل اليه من وهن وأزمات وضعته على شفير الهاوية.

ليست قطر وحدها من تدخلت بهذا الشكل السلبي، لكنها كانت الأكثر تزمتا وعلانية في عدائها للشعب العراقي. المسؤولون القطريون صغارا وكبارا لا يرعوون عن نفث سمومهم تجاه العراق كلما سنحت لهم مناسبة، وبلغت الوقاحة في بعضهم الى حد تنصيب أنفسهم ولاة على العراق وأبنائه، حتى أن أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني تفوه قبل أيام بكلام لا يمكن لأي عراقي غيور على بلده وسيادته القبول به، عندما قال أمام الأمم المتحدة إن "حالة العراق تؤكد أن الميليشيات خارج شرعية الدولة تعني حربا أهلية".

واضحٌ أن آل ثاني يعني بالميليشيات في العراق قوات الحشد الشعبي، هذه القوات الباسلة التي قدمت دماء زكية وأرواحا طاهرة دفاعا عن أرض العراق التي انتهكت حرمتها عصابات من أبشع العصابات الإجرامية التي عرفتها البشرية، وهي عصابات داعش. إن قوات الحشد الشعبي تعمل بإمرة الحكومة العراقية، وهي بذلك ليست ميليشيات خارج شرعية الدولة كما يزعم أمير قطر، لكنه بدافع حقده سعى الى حجب الشمس بالغربال، وهو ما لا يمكن ولن يمكن. والعتب لا يقع على تميم، فهو لا يُعتب عليه، إنما يُعتب على الحكومة العراقية التي لم تتخذ إجراءات وخطوات جادة لبتر الأيادي القطرية الممتدة داخل العراق عابثة بأمنه واستقراره.

لعل من أطول تلك الأيادي شركة آسياسيل للاتصالات، هذه الشركة التي استحوذت عليها قطر عندما اشترت 70% من أسهمها. ويعني هذا أن قطر تملك القدرة على التنصت والتجسس بمنتهى السهولة داخل العراق والاطلاع على الكثير من أسراره ومعلوماته باعتبار آسياسيل واحدة من شركات قليلة جدا مهيمنة على خدمة الهاتف المحمول في العراق. كما يعني استحواذ قطر على آسياسيل أنها ما عادت مضطرة لإنفاق جزء من أموالها بهدف تمويل مشاريع التخريب في العراق، وإنما صارت تستخدم أموالا تربحها من العراقيين أنفسهم لتنفقها لاحقا في قتلهم وتهجيرهم وتدمير مدنهم وبناهم التحتية.

من هذا المنطلق، بات لزاما على الحكومة العراقية التحرك الجاد لإنهاء عقد آسياسيل في العراق لما تشكله من خطورة بالغة على الأمن الوطني باعتبار نحو ثلاثة أرباع أسهمها مملوكة لدولة معادية عملت طيلة السنوات الـ12 الماضية على تدمير العراق بكل نواحيه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.