حسين الذكر

 

 في ظل الحروب والحصار والارهاب والقتل والدمار والفساد الغارق بها بلادي منذ عقود وسنين، لم اركب القطار منذ مدة، وقد تسلقته قبل ايام بمناسبة ما. في الالفية الجديدة وبعد عقد من اندحار الدكتاتورية، وبعصر الانفتاح والانترنيت والفيس بوك والموبايل واخواتهما التي تفجرت من رحم العولمة ، كنتاج طبيعي للقاح الكومبيوتر بتقنيات الاتصال . كنا نجوب محيط العاصمة بغداد متجهين صوب محافظاتنا العزيزة ، نطالع الافق، لعله ينبئنا بواقع افضل، حينما داهمتنا صور الازبال والانقاض والتبعثر والادغال والعشوائية … على جانبي الطريق، لنذهل مما غلفه واحاطه، من تخلف حضاري، يجهش لمنظره اي  واع بضمير حي ، وقد تالمنا بقسوة لواقع لم يوقظنا فيه ، الا دوي صراخ الاطفال، وهم يقذفون عربات القطار الجديد ، بكل همجية الجاهلية او دون ذلك .. حيث سمعنا تهشم الزجاج يخالط السباب والشتام والضحك، لاطفال وصبية بعد سنوات سيكونون امناء على مستقبل وطن، تنطلق فيه مقذوفات حاقدة لهدم حصونه واقتلاع اسس حضارته  ..

 حقا شر البلية ما يضحك ،روى احدهم قائلا : (تخرجت من جامعة بغداد ، بمعدل جيد جدا ، منذ  سنوات لم اتوظف، برغم تقديمي لاغلب المؤسسات، عبر الانترنيت والعلاقات والواسطات والدعاء … لم تشفع كلها ، مع حسن سلوكي ومواطنتي. وفيما كنت اعمل مرغما (باحدى البسطيات) على جادة الرصيف ، داهمتني شفلات وعجلات البلدية ، التي اتخذت قرارا بازالة كل الباعة المنتشرين على الطرق ، بسبب سوء الاوضاع والفقر والعازة وغياب التخطيط والتعيين المركزي، وقد صدمت حقا حد البكاء ، حينما وجدت نفسي وعيالي واهلي  على حافة المجهول ، وقد غرقت بالتفكير وانهمر دمع الصبر خفيا يحرقني ، يجول خاطري بدهاليز مستقبل نتن وضياع ، في عراق لا تختلف ديمقراطيته عن دكتاتوريته ، الا بالشعارات والدعايات ، سيما ما يعني الفقراء منها .

 بهذه الاثناء اتصل احدهم ، قائلا،  : (عمي انت حيدر سبق لك ان قدمت  على وزارة التربية).. فتنفست الصعداء ، قائلا: (نعم استاذ) !! ، فاردف : (فايلك احمر به ستة صور) !! كاد قلبي يقفز من الفرحة، (نعم استاذ الله يحفظك)، فقال انت خريج جامعة بغداد ومعدلك جيد جدا وبيتكم في العشوائيات) ، عندها انهمر دمع الفرح وانقطع صوتي  ..(نعم استاذ .. نعم استاذ .. نعم استاذ … لم اتمالك نفسي ولو كان قربي لقبلت يديه وقدمه). لم يمهلني طويلا حتى فاجئني قائلا : (عمي لخبطتني … استاذ واستاذ .. انا مجرد منظف في الوزارة ،وقد وجدت فايلك ، مرمي بالقمامة وفيه رقم هاتفك ، فقلت ابلغك احسن) .

 في عناء طريق ومشاق يوميات معتادة، جلسنا في شارع السعدون نحتسي الشاي بعد وجبة غداء عراقية ، ينبعث منها عبق التاريخ حد الثمالة ، لينسيك حرارة صيف وبرد وطين شتاء ومتاعب لا تعد ولا تحصى،  حينما قفز امامنا (جريذي)  : (مِنْ فَصِيلَةِ الْفَأْرِيَّاتِ ، أَسْوَدُ العَيْنَيْنِ، آذَانُهُ مُسْتَدِيرَةٌ ، وَذَنَبُهُ طَوِيلٌ ، أَضْخَمُ مِنَ الفَأْرِ ، بِأَطْرَافِهِ خَمْسَةُ أَصَابِعَ ، يُطْلِقُ عَلَيْهِ العَامَّةُ في العراق خاصة كلمة  جريذي) .

خرج بغير زمانه ومكانه ، فوجد نفسه وسط جمهرة الناس ، كلهم هبوا يطاردوه بالاقدام والركلات والسباب …، لم يبق احد الا وتطوع لقتله حتى مات كمدا ، مع انه لم يؤذ اي من قاتليه .. هذا المشهد، ذكرني بموقف صادفته بالهند، حينما كنت اتمشى في شوارعها المزدحمة بالناس والحيوانات ، جنبا الى جنب ، حيث الانسان والكلب والبقرة والقطة …. وحتى الخنازير ، تنعم بالامان، لا تهاجم ولا يهاجمها احد ، تعايشوا حد الاطمئنان . فلم اتعجب ، حينما شاهدت افعى اوشكت تدخل فندقنا المحاط بالادغال والغابات ، وفيما صرخنا تاهبا لقتلها ، جاء احد عمال الفندق البسطاء وتعاطى معها باحترافية وهدوء وطمانينة بعصى كانت بيده ، حتى لفها عليها ، ونقلها الى الاحراش البعيدة تذهب حيث تشاء . فسالناه بتعجب ، لماذا لم تقتلها؟ ، قال: (لم القتل؟ انها لم تهاجمني ولا تنوي ذلك) .عند ذاك ادركت ما حدث ويحدث في عراقنا الدكتاتوري او الديمقراطي او تحت اي عنوان كان.