نافذة من موسكو: خلفيات زيارة وفود عراقية شيعية وسنّية إسرائيل


د. فالح الحمـراني     

على خلفية إقبال بعض الدول العربية وممثلي الرأي العام العربي على مد الجسور وفتح آليات الحوار وتبادل الزيارات مع إسرائيل بأشكال سرية وعلنية، تداولت وسائل إعلام نبأ زيارة وفود من العراق تل ابيب.
وعلى وفق تلك المعطيات فقد زارت ثلاثة وفود عراقية إسرائيل خلال الأشهر الأخيرة، ضمت شخصيات من السنّة والشيعة، كما ذكرت وسائل إعلام بالروسية. وأفادت بأن وسائل الإعلام الإسرائيلية التي جاءت بالخبر، اكتفت بنشر أنباء مقتضبة عن الزيارات، وذكرت إن 15 عراقياً زاروا إسرائيل. ووصف " كول راديو إسرائيل" الذي يبث باللغة الفارسية أعضاء الوفود بأنهم ساسة عراقيين موثوق بهم. وأكد موقع newsru.co.il على شبكة الإنترنت باللغة الروسية، أن لدى هؤلاء الأشخاص "تأثير كبير على ذهنية المواطنين". كما سربت وسائل الإعلام معلومات عن اجتماعاتهم مع المسؤولين الإسرائيليين والتجول في جميع أنحاء البلاد. كما زار الضيوف متحف ياد فاشيم لليهود الأوروبيين ، والتقوا بأخصائيين في الشرق الأوسط. كما أتيحت لهم الفرصة للقاء قادة ونشطاء يهود منحدرين من العراق. وجرى التكتم على الزيارة واكتسبت طابعاً مغلقاً، وقد تمّ تحديد هذا الشكل بطلب من الضيوف، وعلى ما يبدو من أجل عدم "إزعاج" سلطات إيران المجاورة. ولكن، وكما أفاد " كول إسرائيل" يمكن اعتبار هذه الزيارة رحلة استطلاعية من حيث استكشاف إمكانية إقامة علاقات من نوع أو آخر في المستقبل مع إسرائيل. "وسيوضح المستقبل القريب كيف يمكن أن تستمر هذه الاتصالات الأولى من نوعها، أو تبقى مجرد حلقة في محاولات إسرائيل لتحقيق التفاهم المتبادل في العالم العربي".
ولوحظ أن البلدين لم يوقعا معاهدة سلام بينهما، وبالتالي لا يزالان رسمياً في حالة حرب. وحسب تقديرات سائل الإعلام الإسرائيلية، في معرض تناولها سياسة العراق الخارجية الشرق أوسطية، فأنه وحتى خلال سنوات حكم صدام حسين وخلال سنوات التحول السياسي في البلاد بعد وفاته، أن شيعة العراق، الذين يشكلون غالبية السكان، لم يرتبطوا بالفلسطينيين بعلاقات مكثفة ونشطة. 
وقال تقرير للباحث السياسي الإسرائيلي المنحدر من روسيا وخبير الشؤون الإيرانية فلاديمير ميساميد، "لقد صاحب تفعيل الحوار الإيراني ـ العراقي في السنوات الأخيرة، اتصالات من قبل القيادة العراقية الحالية بالطائفة اليهودية في أمريكا، وبعدد من ساسة إسرائيل"، والتي، على حد قوله، إن هذه الاتصالات "جرت بصورة سرية". وذكر " ظهرت في بداية العام الماضي، على صفحة وزارة الخارجية الإسرائيلية في الفيسبوك مواد باللهجة العامية العراقية، حظيت بردود فعل إيجابية من قبل العراقيين الذين زاروا هذه الصفحة". وأعاد الأذهان إلى أن إحدى أكبر الطوائف اليهودية الشرق أوسطية كانت في يوم ما في العراق، وبلغ عدد نفوسها في منتصف القرن الماضي حوالي 140 ألف شخص. "وكانت احدى الطوائف اليهودية العريقة". ومن ثم تناول تاريخ اليهود في العراق منذ أقدم العصور حتى هجرتهم إلى فلسطين، ونقل عن الموسوعة اليهودية الإلكترونية eleven.co.il، قولها: إن الملك نبوخذ نصر الثاني أسس للوجود اليهودي في المنطقة التي هي عراق اليوم. فقد جاء الملك البابلي بآلاف اليهود إلى مملكته (597ـ 586 ما قبل الميلاد) بعد تدمير مملكة داود. وقالت إن اليهود مع مرور الزمن طوروا الاقتصاد والثقافة والأنشطة الدينية. وإن يهود العراق لعبوا دورا رياديا وسط طوائف اليهود الشرقيين، وحياتهم الروحية. ولهم مساهمة كبيرة في حركة التحرر الوطنية العراقية. ومن بين اليهود العراقيين أشارت إلى وزير المالية في العشرينيات من القرن الماضي سوسان حسقيل. فضلاً عن إن الكثير من اليهود كانوا بين رجالات الفن الموسيقيين والعازفين. 
ويقدم ميساميد تأوليه وحيد الجانب لرحيل اليهود من العراقيين التي تختلف تماماً عن المعطيات المعروفة، التي تربط مغادرة اليهود العراق بقيام إسرائيل، وإثارة الحركة الصهيونية مخاوفهم من البقاء في بلدهم الأم. وهناك معطيات عن وقوفها وراء التفجيرات وأعمال التدمير التي استهدفهم لدفعهم لمغادرة العراق والاستيطان في فلسطين. ميساميد يقول إن يهود العراق الذين شكلوا إحدى أكبر الطوائف اليهودية في الشرق الأوسط، مُنعوا منذ 1948 من مغادرة العراق. وان وضعهم، على حد قوله، "تدهور بعد الإعلان عن قيام إسرائيل، ومشاركة العراق في حرب فلسطين"، ومن ثم "إجراء تعديل على القانون الجنائي للبلاد، يعتبر الصهيونية عقيدة مجرمة". وذهب بالقول "إن هذا خلق الميول المعادية للسامية في العراق، التي أضيفت إلى ملاحقة السلطات العراقية لليهود العراقيين واستخدام العنف ضدهم"، وإن أغلبية اليهود انتموا إلى الطبقة الوسطى وتمتعوا بوضع اقتصادي ممتاز. وان قوانين 1950 و1951 حرمت اليهود المهاجرين من مليكتهم الخاصة. وأشار ضمن هذا السياق إلى "بيان رئيس الوزراء العراقي حينها نوري السعيد، الذي صرح به خلال زيارته للقدس الشرقية في 13 يناير/ كانون الثاني 1951 ( حينها كانت جزء من الأردن) إن اليهود كانوا دائما مصدراً للشر والحقوا الضرر بالعراق" . وفي اليوم التالي بعد هذا البيان "وقع انفجار في احد المعابد اليهودية في بغداد حيث اجتمع اليهود، الراغبين بالهجرة لإسرائيل، وأسفر عن وقوع العديد من الضحايا". وتمّ رحيل أكثر من 120 ألف يهودي عراقي إلى إسرائيل عبر إيران، فيما هاجر آخرون إلى أمريكا ودول أوروبا الغربية. 
من الواضح إن الباحث الإسرائيلي يعمد إلى تشويه حقائق التاريخ ويقدم تأويلات تتفق ووجهة نظر الحركة الصهيونية، ويعمد إلى تضخيم بعض الجوانب والتظليل على الأخرى، وكل هذا يحتاج إلى المزيد من الدراسة والتنقيب وهو تاريخ مايزال بعض شهوده على قيد الحياة وعادة ما ينظر كل طرف للتاريخ من " زاويته الخاصة" ويوظفه لمصلحته. والمعروف إن طائفة يهود العراق في إسرائيل ما زالوا يحافظون على خصوصيتهم، ويتشوقون لزيارة العراق . 
إن يهود العراق، مثلهم مثل الشعب العراقي بكل مكوناته اصبحوا ضحية للصراعات السياسية الدولية والمحلية، فاقتلعوا من ديارهم التي عاشوا فيها عشرات القرون، فيما مرّ العراق بسلسة من الحروب والنزاعات الداخلية، والانقلابات غير المدروسة، وصراع الدول الكبرى لبسط النفوذ عليه، ومازالت الحروب والنزاعات والعنف تهدد الجميع بهذا القدر أو ذاك، وآفاق الهدوء والاستقراء والتعايش السلمي بعيدة جداً.

 

 

 

 



الردود

اترك رد