صفحاتٌ من تاريخٍ مجهول ...


سالنامة بغداد والادارة العثمانيَّة في الحلَّة  

 

حظيت مدينة الحلَّة عند الادارة العثمانية بأهمية خاصة لما تتمتع به من خصائص ومميزات ستراتيجية وعسكرية , فهي رابطة لستِ مدنٍ عراقية , فضلًا عن خصوبة تربتها , ووفرة الانتاج الزراعي والحيواني فيها . فالأهمية تكمن في تعدد اتجاهاتها العسكرية والاقتصادية والتجارية , ناهيك عن ما حفلت به طيلة قرون أَربعة من تسيّدها للحوزة الدينيَّة والنشاط المعرفي وانتعاش سوق الأَدب والشعر فيها. 

كل ذلك  شجَّع الولاة العثمانيين أَن يضعوا نُصبَ أَعينهم مدينة الحلَّة , كونها المنبع الثرّ الذي يدرّ عليهم أَموالا طائلة من منافذ مختلفة , في مقدمتها الضرائب المستحصلة بالإكراه من قبل الاهالي ورؤساء العشائر .

وقد عوقبت الحلَّة سنة 1881م بعد أن أَلغت الحكومة العثمانية ماكانت تتمتع به الحلَّة كونها (أَقليماً) يضم جميع حواضر الفرات الاوسط حتى السماوة جنوباً. على وفق قاعدة( رقعة إدارية أَصغر= سيطرة إدارية أَكثر = عائدات مالية أَكبر). وتنطوي تحت هذا الهدف السياسي مآرب كثيرة أَهمها ضمان سهولة جباية الضرائب , والتجنيد الاجباري للأهالي وزجّهم في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل , خارج حدود البلاد بحجة الدفاع عن دولة الخلافة الاسلامية التي هي في مضمونها استعمار غايته الاساسية نهب ثروات العراق وخيراته . 

من هنا سعت الحكومة العثمانية الى تبني ستراتيجية التغيير المستمر للعناصر الادارية العليا من ولاة ومتصرّفين وغيرهم , خشية الاستئثار في السلطة وفقا لمصالحهم الشخصية من خلال الاستحواذ على جبايات الضرائب بالدرجة الاولى . ويكشف ذلك الاجراء عن مدى الفساد الإداري والمالي المتفشي في مفاصل الدولة العثمانية آنذاك . 

نقف هنا لعرض كتاب جديد يكشف عن تاريخ مهم لمدينة الحلَّة من خلال ( السالنامات) التي تعني (الكتاب السنوي) , وهي بالأَصل كلمة فارسية تتكون من مقطعين (سال) وتعني (سنة) و(نامة) وتعني (كتاب). أَما المعنى الاصطلاحي للكلمة فهو التقرير السنوي الذي يتضمن المعلومات والاحصائيات الخاصة بالولايات الخاضعة للسيادة العثمانية . وأَصل فكرة السالنامات يستند الى رغبة (الباب العالي) بالتوثيق الرسمي لأَهم البيانات المتعلقة بشؤون الدولة العثمانية وولاياتها .

  الكتاب عنونه مؤلفه الاستاذ الدكتور علي هادي عباس المهداوي بــ( الادارة العثمانية في الحلة – دراسة تحليلية في سالنامة بغداد 1875- 1911م), وقد صدر عن مؤسسة ثائر العصامي في بغداد بــ(220) صفحة من القطع الوزيري .

استند المؤلف الكريم على ماعثر عليه من (سالنامة بغداد) للسنوات ( 1875-1911م) وعددها (20) سالنامة , وهي من محفوظات مكتبة المتحف العراقي . واعتمد في التأليف بعد ترجمة السالنامات من اللغة التركية القديمة الى اللغة العربية منهجية تمثَّلت بالآتي:

1- تقسيم البحث الى محاور طبقا للمعلومات التي ورد ذكرها في سالنامة بغداد.

2- تبويب المعلومات في جداول حسب التسلسل الزمني لصدور السالنامة.

3- استخدام المنهج التحليلي في توضيح المعلومات التي تضمنتها الجداول بهدف التعرف على طبيعة الاجراءات الادارية المتخذة من قبل السلطة العثمانية والاستعانة بالصحافة العثمانية التي كانت تصدر آنذاك.

4- تضمين البحث ملحقا بالمصطلحات العثمانية ذات العلاقة بالجوانب الادارية والعسكرية والاقتصادية. 

فالكتاب سلَّط الضوء  مقتصراً على (السياسة الادارية) التي انتهجها العثمانيون حصراً , بعيداً عن النهج السياسي للحكومة العثمانية وولاتها أَو الاحداث الداخلية التي رافقت مسيرة الحكم العثماني في العراق , وما طرأ من مشاكل واضطرابات بين الجيش العثماني والاهالي في كثير من المدن العراقية, وما ارتكب من جرائم بشعة بحق الابرياء من الشعب , ومن اشهر تلك المواقف التي يندى لها جبين الانسانية مايعرف بـ( دكة عاكف) في مدينة الحلَّة التي راح ضحيتها المئات من الابرياء شنقاً وأَسراً ونفياً قبل مئة عام . 

عمد الدكتور الفاضل المهداوي الى المحاور في التوثيق ليسهل عملية التقسيم الاداري , فقد احتجن الكتاب على (14) محوراً وخاتمة واستنتاجات . تسلسلت على النحو التالي( الوحدات الادارية التابعة للحلَّة 1869-1914م , دائرة بلدية الحلة , إدارة الاراضي والدفتر الخاقاني, إدارة الاراضي السنية, إدارة الديوان العمومية , القضاء والمحاكم , دائرة النفوس, دائرة الاوقاف, دائرة الري, دائرة البريد والتلغراف, خستخانة الحلة , الحامية العسكرية , التعليم الحكومي , إحصاءات رسمية عامة).  

تضمن المحور الاول جداول بأسماء متصرفي الحلَّة في المدة (1869-1892م) الذين تولوا حكم المتصرفية وعددهم (25) متصرفاً , وجميعهم من الاتراك باستثناء الشيخ فهد السعدون الذي عزل بعد ستة أشهر من تعيينه . وهذا يعزز نوايا الحكومة العثمانية في استبعاد العراقيين في التصدي لحكم بلادهم . 

يقول الدكتور المهداوي: ( اتسمت سياسة الحكام الذين تولوا ادارة متصرفية الحلَّة بحرصهم على التملّق والتزلّف الى مراجعهم العليا في بغداد واسطنبول, بهدف اثبات ولائهم للسلطة إذ لجأوا الى اساليب الترغيب والترهيب والتعامل الجائر مع السكان). 

وتضمن الجدول الثاني في هذا المحور اسماء مجلس إدارة متصرفية الحلَّة (  في المدة (1875-1892م), التي كانت مهمته تسيير شؤون المتصرفية حسب هيكليته ( المتصرف – نائب المتصرف – المفتي – المحاسب – مدير التحريرات ) . علما أَنَّ الحلَّة لم تلحظ تغييراً في مرتبتها الادارية بعد أَن أُنزلت الى مرتبة قضاء , بل ازداد الضغط الذي مارسه العثمانيون بإجبار الاهالي على تقديم الاموال النقدية والعينية تحت مسمى ( الاعانات) بذريعة المساهمة في بناء المدارس واعانة الجيش ومساعدة المتضررين جراء حدوث الفيضانات وانتشار المجاعة في الولايات الاخرى .

ويشير جدول آخر الى اسماء (20) قائمقام تعاقبوا على هذا المنصب في قضاء الحلَّة في المدة ( 1892-1914م) , وجدول آخر يتضمن اسماء رئاسة مجلس إدارة قضاء الحلَّة (1894- 1911م) الذي تشكَّل طبقا للهيكل الاداري الآتي: ( قائمقام – نائب قائمقام – مدير مال – كاتب تحريرات ) , فضلا عن ضمِّ اعضاء من وجهاء الحلَّة والمتنفذين فيها يتراوح عددهم بين 3-6 أعضاء , يتم اختيارهم من قبل السلطة المحلية لحضور الاجتماعات التي تستوجب التداول بتنفيذ اوامر الحكومة المركزية .

وجدول خامس ضمَّ اسماء أَعضاء مجلس قضاء الحلَّة في المدة (1901-1907م) والملاحظ هنا وجود اسماء من الطائفة الموسوية (يهود) في جميع دورات المجلس الخمس ( إذ لم يشر الجدول الى السنتين 1902و1904) . 

اما مايتعلق بالنواحي التابعة الى قضاء الحلَّة فأشار المؤلف الفاضل الى (5) نواحي هي ( الممدوحية – نهر شاه – المحاويل – بارمانة – الخواص ) وقد تولى ادارة كل ناحية ( مدير ) واشار الجدول المرفق الى اسماء مدراء النواحي الخمس في المدة ( 1892- 1911م) . واغفل ذكر بعض السنوات لعدم الحصول عليها كما نرى وهي 1899  1902و1904و1909و1910.

  اما المحور الثاني فأشار الى بلدية الحلَّة وهيكليتها الادارية ( مدير – أمين صندوق – طبيب – صيدلي – كاتب ) , وفي جدولها مايشير الى بعض من تسلَّم تلك المناصب للسنوات (1875-1911م), مع نقص في عدد من السنوات المتفرقة . كذلك تفصيلات للمجلس البلدي في قضاء الحلَّة (1892- 1907م) وتضمنت اسماء رئيس المجلس والاعضاء الذين تفاوتت اعدادهم في الدورات بين 4 – 7 أعضاء.  

  وتضمن المحوران الثالث والرابع مايتعلَّق بالأراضي وأقسامها (الاراضي الحكومية والمتروكة والسنية) وإدارتها, على وفق التصنيف العثماني مع جدولين يوضحان بالأسماء المأمورين ووكلائهم حسب المقاطعات المكلفين بإدارتها وهي ( الوردية وبنشه والشافعية وخناق وعلاج والنيل والزرفية وأبو غرق وأم الهوى والجربوعية ) .

ولأهمية جباية الضرائب والرسوم الكمركية التي تفرض على البضائع والسلع الداخلة والخارجة الى الحلَّة عن طريق نهر الفرات أو المنافذ البرية للحلة ولضرورة تنظيمها والاستفادة من وارداتها المالية , الامر الذي حفّز السلطات العثمانية لاستحداث إدارة خاصة بالكمارك. فضلا عن الضرائب والرسوم التي تفرض على الانتاج الزراعي والحيواني للحلَّة وتوابعها , التي تشكل جزءً رئيسيا من المجموع العام لإيرادات ولاية بغداد.

 وهناك نوعان من الضرائب , الاولى (ضريبة الاحتساب) وهي رسوم على جميع المنتجات والسلع الداخلة للمدينة التي تباع في اسواقها. والثانية (ضريبة الطمغا) وهي رسوم تفرض على مختلف البضائع التي تباع في اسواق الحلَّة مثل المفروشات والمصوغات الذهبية والفضية وغيرها. 

ويلاحظ التفنن وابتداع الحيل في جباية الاموال بالطرق المشروعة وغير المشروعة , حتى ان الحكومة العثمانية ووفقا للسالنامات كانت دقيقة في اختيارها للعناصر المكلفة بإدارة الجبايات ( وجميعهم من الاتراك) , وذلك لضمان رفد خزينة الدولة بالأموال.

 وألحق هذا المحور (إدارة الديون العمومية) بجداول توضيحية لأسماء المأمورين ومدراء الديون العمومي ومعاونيهم وأمناء الصندوق والكتاب .

أَمَّا المحور السادس فاختصَّ بــ( القضاء والمحاكم ) وقدم له الدكتور المهداوي بمقدمة تاريخية موجزة عن المحاكم الشرعية وصولا الى عهد التنظيمات (1839-1856م) التي اصدرتها الحكومة العثمانية في مجموعة من القوانين المدنية المتأثرة بــ(القوانين الغربية) , كما تشكلت الى جانب المحكمة الشرعية محاكم البداءة , التجارة, الجزاء ومحاكم الاستئناف ودوائر الاجراء والتنفيذ ودوائر العدلية وغيرها. وتضمنت الملاحق المرفقة بالمحور اسماء رؤساء المحاكم والقضاة والموظفين ومناصبهم الادارية من المدة (1875- 1911م) مع اغفال لبعض السنين التي لم يعثر عليها المؤلف الفاضل .

وتضمن المحور السابع (دائرة النفوس) , وتعدّ هذه الدائرة  من أَهم الدوائر المعوَّل عليها لدى الحكومة العثمانية فهي تستند في احصاءاتها الى قاعدة بيانات حكومية حصرت من خلالها اسماء الافراد المشمولين بالخدمة الاجبارية في الجيش العثماني فضلا عن تثبيت حق الدولة بجمع الضرائب من المكلفين .

ومن الطريف ذكره ان (قانون الجنسية العثمانية ) الصادر من الباب العالي سنة 1869م نصَّ على فرض إتاوات بالليرة الذهبية عقوبة لمن يمتنع عن تسجيل نفسه في دائرة النفوس وايضا على الموظفين الذين يساعدون في عدم تسجيل النفوس .

وتطرق المحور الى اعداد سكان الحلَّة المسجلين في قيود نفوسها من المدة (1891- 1907م) وجاءت النتائج تصاعدية من سنة 1891م (10247 ) ذكرا فقط . بينما سجلت اعلى نسبة للذكور في سنة 1898م(24839) ذكراً في الحلَّة. وكانت اعلى نسبة للإناث في سنة 1907م هي ( 15538) انثى . وماورد في سالنامة بغداد سنة 1907م أَنَّ قيود السجلات تضمنت تسجيل نحو (35662) نسمة من الذكور والاناث. وجاءت الاحصائية على وفق نموذج خاص بحقول كثيرة كالاسم والمحلة والسكن والملة فضلا عن الاوصاف الخاصة بالشخص كالطول ولون البشرة والعين وغيرها.

وكان للأوقاف في الحلَّة محور خاص اشار فيه الدكتور المهداوي الى (أنَّ تأسيس أول إدارة وقفيّة في العراق يرجع الى عهد المغول الايلخانيين في اوائل القرن السابع الهجري وعندما احتل العثمانيون العراق ابقوا على هذه الدائرة وعملوا على حلِّ مشاكلها وتحسين سبل ادائها ) . وفي عام 1840م تم استحداث نظارة خاصة سميت بــ(الاوقاف). وصدر لها نظام خاص وتعليمات بعد مدة من الزمن. وتولى ادارة الاوقاف في الحلَّة بين 1884-1911م (7) اشخاص بين مدير ومأمور .

ويطالعنا المحور التاسع الخاص بالري , لما للري من ارتباط وتأثير في حياة السكان الاقتصادية والاجتماعية , لكن الاهمال بدا ظاهراً من قبل الحكومة العثمانية مما أدَّى اهمال الزراعة وانحسار مساحاتها المنتجة , وازدياد نسبة الملوحة بسبب مواقف العثمانيين المتشنجة من العشائر وتمرداتها من جهة , وانهيار منظومة الري في الحلة وأريافها في ستينيات القرن التاسع عشر بسبب تغيير شط الحلَّة لمجراه الاصلي وانحدار مياه الفرات نحو منطقة الهندية حيث (قناة الهندية) التي تم حفرها لإيصال الماء الى مدينة النجف في بداية ذلك القرن . الذي انعكس سلبا على جميع الانشطة البشرية والاقتصادية والاجتماعية . حتى اصاب الجفاف التام ( شط الحلة ) أواخر العام 1874م. وعلى الرغم من مناشدات متكررة من قبل رؤساء العشائر ووجهاء الحلَّة , الا ان الواقع المأساوي أخذ بالتفاقم وقد لجأ العثمانيون الى الابتزاز واجبار عشائر الفرات الاوسط على التبرع من اجل انشاء سد غير أَنَّ ما رافق بناء السد من حالات فساد مالي واداري اسفر عن آثار مدمرة بانهيار السد الذي انشأ بخبرات محلية غير مؤهلة . وصولا الى انجاز سد جديد 1913م بإشراف الخبير الانكليزي في شؤون الري(وليم كوكس) بلغت كلفته 300 ألف ليرة ذهبية , كانت حصة تبرعات الاهالي نحو 127 ألف ليرة ذهبية.

وينتقل المؤلف الفاضل الى محور (دائرة البريد والبرق) وهو المحور العاشر وفيه مقدمة عن تاريخ تطور هذا المفصل المهم , ففي عام 1861م جرى افتتاح الخط البرقي بين بغداد واسطنبول . وفي عام 1864م جرى الاتفاق بين الحكومتين البريطانية والعثمانية تعهدت به الاولى بمد خطين للبرق فوق الاراضي العراقية بتمويل بريطاني . ومنها خط يمرّ بمدن الفرات الاوسط من بغداد الى القرنة ومنها الحلَّة . 

أَمَّا ما يعرف بنظام ادارة البريد الذي صدر عام 1869م , فقد تضمنت بعض مواده كيفية استخدام البريد وطرق ارساله, وتحديد أُجور الموظفين , وقيمة الطوابع البريدية , والمبالغ المستوفاة وغيرها .

وقد اسندت الحكومة العثمانية مهمة ادارة تلغراف وبريد متصرفية الحلَّة في المدة (1875-1891م)  الى موظف بدرجة مأمور , وقد تناوب على ادارتها 3 مأمورين . وفي عام 1892م تم استحداث(دائرة تلغراف وبريد قضاء الحلة) يرأسها موظف بدرجة مدير . وفي الجدول الملحق بهذا المحور اسماء المدراء ومأموري المخابرة للسنوات (1892-1911م) .

وفي الجانب الصحي , حمل المحور الحادي عشر عنوان (خستخانة الحلَّة) , والخستخانة تعني المستشفى .

 كان الواقع الصحي طيلة مدة الاحتلال العثماني للعراق عموما , والحلَّة على وجه خاص سيئاً للغاية( واقترن بظواهر سلبية منها الاهمال الحكومي والمياه الملوثة والافتقار الى نظام لتصريف المياه , مما ساهم في انتشار الجراثيم والامراض الزهرية , فضلا عن انعدام الوعي الصحي لدى غالبية السكان ). 

أما مايتعلَّق بالحلَّة , فتاريخ انشاء أَول مشفى في الحلَّة حسب المعلومات التي ذكرتها سالنامة بغداد يعود الى عام 1894م, وكان الهدف منه تقديم الخدمات لمنتسبي الحامية العسكرية والعاملين في الادارة المحلية , وقد اضطلع المشفى بمهمة اجراء التلقيحات المضادة للأمراض المعدية كالجدري والتيفوئيد . وفي الجدول المرفق اسماء الملاك الطبي وهم بين ( طبيب و طبيب ثاني و صيدلي وأحيانا خدمات ) في خستخانة الحلَّة (1894- 1907م) .

ومايخصّ الجانب العسكري الذي تضمنه المحور الثاني عشر بعنوانه ( الحامية العسكرية) , فتطرَّق الى اهتمام الحكومة العثمانية بتحصين حاميتها العسكرية في الحلَّة و( حرصها على تأمين المستلزمات الضرورية التي يحتاجها الجنود من وقود وذخائر ومؤن) . 

ومما يشار إليه هو سوء العلاقة بين السلطة العثمانية والسكان الحليين لأسباب اهمها رفض الانخراط بالجيش العثماني , مما يعني أنَّ السلطات العثمانية كانت تمارس عمليات مطاردة وملاحقة للفارين من الجندية التركية , أو لقمع التمردات الشعبية والعشائرية التي تحصل نتيجة التعسف في جباية الضرائب وغيرها. 

ولما واجهه العثمانيون من مواقف مهينة ومزرية , منها أَسر جنودهم وضباطهم مع خيولهم واسلحتهم اثناء المطاردات, وماتتعرض له قواتهم العسكرية من تحديات ومواجهات بين حين وآخر في المدينة , تم ترقية مرتبة الحامية العسكرية في الحلَّة الى ( آمرية ) أُطلق عليها ( آمرية موقع الحلَّة) بقرار من وزارة الحربية .  

وأَشار الجدول المرفق الى اسماء الضباط والمراتب المنسوبين الى موقع آمرية الحلَّة (1891- 1911م) , وقد أخلَّ الجدول بذكر بعض السنوات المتفرقة لعدم الحصول على وثائقها كما نرى.

وحمل المحور الأخير عنوان ( التعليم الحكومي) , بسط فيه الدكتور المهداوي الحديث عن (قانون المعارف العام ) الذي صدر عام 1869م الذي تمَّ فيه تقسيم التعليم الى ثلاث مراحل هي: الدراسة الابتدائية ( مكاتب الصبيان) ومدتها 4 سنوات , والدراسة المتوسطة ( المكاتب الرشدية) ومدتها 3 سنوات , والدراسة الثانوية (المكاتب الاعدادية) ومدتها 4 سنوات, فضلا عن المدارس السلطانية ودور المعلمين ومدارس الصناع والمعاهد العليا.

     وفصَّل المؤلف الفاضل الحديث بإسهاب عن كل مرحلة دراسية ومناهجها الدراسية , ومارافقها من متغيرات في مستويات سياسية واجتماعية واقتصادية داخل العراق عموماً. 

أَمَّا في الحلَّة ففكرة انشاء المدارس الحديثة تعود الى المتصرِّف مراد افندي , الذي بذل جهداً مع السلطات العثمانية من اجل تنفيذ الفكرة , وبعد أَن تبرَّع وجهاء الحلَّة بالأموال لتنفيذ تأسيس المدارس فيها , حصلت موافقة الوالي رديف باشا على التنفيذ . وتم افتتاح المدرسة الرشدية مطلع عام 1872م , وهي أَول مدرسة رسمية في الحلَّة . وعيّن المعلم (سعيد افندي) لتولي ادارتها وتضمن منهاجها الدراسي تدريس( مبادئ العلوم الدينية , قواعد اللغة , الاملاء , الانشاء , علم الحساب , الرسم , مبادئ الهندسة, التاريخ العام , التاريخ الاقتصادي, الجغرافية, الجمناستك). وبلغ عدد الدفعة الاولى (16) طالباً. وارتفع العدد في السنة الثانية الى (54) طالباً.

إلَّا أنَّ الاهمال الحكومي , وعدم تقديم الدعم والرعاية لهذا الملافق المهم , أَثَّر سلباً على انتظام الدراسة في المدرسة , مما حدا بوجهاء الحلَّة الى تقديم شكواهم عن طريق جريدة الزوراء التي نشرت الشكوى .

ومن الجميل هنا , الاشارة الى تجربة أُولى , وخطوة مهمة في تأسيس أول مدرسة خاصة بالبنات في الحلَّة سنة 1908م . وما واجهته التجربة من معوقات مختلفة ( دينية واجتماعية ) كذلك افتقاد الكادر التعليمي النسوي , غير أَنَّ استيعاب المجتمع الحلِّي وحبَّه للإصلاح والتطور, وبما يمتلك من قاعدة خصبة من تقبّل الثقافة والمعرفة أَدى الى انجاح التجربة التي كانت نواة لتلك المدارس , وتخطي نمط التعليم التقليدي السائد وقتذاك. 

ووثَّق المحور بجداول اسماء المعلمين واعداد الطلبة في مكتب رشدية الحلَّة ومكاتب التعليم الابتدائي . 

وبذل المؤلف الفاضل جهداً طيباً حين أَفرد محوراً خاصاً وملاحق متنوعة عند نشر جداول مختلفة تتعلق بعدد الابنية الحكومية في الحلَّة والادارات المختلفة , فضلا عن الملحق الخاص بالمصطلحات العثمانية في المجالات الادارية والعسكرية والاقتصادية , الذي نرى أَنَّه ملحق جدُّ مهمٍ للباحثين في التاريخ العثماني, ولمتتبعي اللهجات العراقية والدارسين لأصول مفرداتها . 

أقول: أنَّ الكتاب تحفة تاريخية , وصفحات مجهولة من تاريخ الحلَّة , استطاع المؤلف فيه أن ينتشل الوثائق التاريخية (سالنامة بغداد) تحديداَ , ويقف عندها ليعقد دراسته بمنهجه التحليلي في تفكيك ودراسة ماتحصَّل عليه من معلومات حكومية رسمية . وقد أزاح الغبار عن زوايا من تاريخ حلّي يصعب الوصول إليه من قبل المهتمين بمعلوماته المغيبة عن أنظارهم . وهذا الكشف يساعد ايضاً في فتح المجال أمام قراءات جديدة أخرى مختلفة , لواقع المجتمع الحلِّي إبان الاحتلال العثماني للعراق عامة ولمدينة الحلَّة خاصة من خلال الكتاب نفسه . 

أُبارك لأَخي الحبيب الاستاذ الدكتور علي هادي المهداوي على ما أتحفنا به من جواهر ثمينة , بعد عناء وجهد لايعرفه إلَّا من خبره في البحث والتقصي , وصولا الى الصيد الثمين من اَجل مدينته الحلَّة الفيحاء التي يحب ويعشق. 

ولابد من التنويه بأنَّ الدكتور الكريم أَهدى كتابه الى رمز من رموز الثقافة الحلَّية المعاصرة الاستاذ الفاضل شيخ الخطاطين (السيد حسام الشلاه) عميد أُسرة السادة الافاضل آل الشلاه ... محبة واعتزازاً واحتراماً. ونسأل الله التوفيق الدائم له ولكل الباحثين في تاريخ الحلَّة وأهلها عبر العصور والازمنة. 

 

د. سعد الحداد

 



الردود

اترك رد