النساء في "عوائل داعش" يدفعن الضريبة.. وجيل يهدد بتطرف جديد


سومر نيوز: بغداد.. في ذلك المساء، وبعد اتصال تلفوني قصير، انفجرت شيماء (20 عاما) بالبكاء، وأعقبته بصراخ متقطع مكبوت، قبل أن تتملكها موجة هستيريا مدت معها قبضتيها الى شعرها منتزعة عدة خصلات منه وهي تلطم على وجهها. لم تستطع شقيقتها (ليلى) ايقافها وهي تحتضنها بقوة وتمسح دموعها، قبل ان تتوقف فجأة عن الصراخ وتتطلع اليها بعيون دامية وتردد “لا شيء يمكن ان يوقف هذا الألم.. لا شيء يمكن أن يغسل كل هذه النجاسة”.

 

لحظات من الصمت مرت وهي ممدة على الأرض الى جانب ليلى (27 عاما) بينما كانت تنظر بعيون نصف مفتوحة الى شقيقتها الأصغر “مها” (12 عاما) التي بدت جامدة كتمثال من الشمع في زاوية الصالة، قبل ان تنسحب الى غرفة جانبية في منزل العائلة نصف المهدم الذي طالته قذائف الحرب، واغلقت على نفسها الباب، وبعد دقائق من الكلام المغمغم الممزوج بالبكاء عادت للصراخ وبدأ الدخان يخرج من تحت الباب ممزوجا برائحة احتراق جسدها.

 

حين تمكنت ليلى من كسر الباب الخشبي للغرفة وهي ترتجف وتنادي شقيقتها، كانت شيماء ممدة والنار تلتهم بقايا ملابسها وصورا لوالدتها وصندوقا صغيرا كان يضم كل ما تركته لعائلتها التي انضم احد ابنائها لتنظيم “داعش” سنوات سيطرته على الموصل، قبل ان تجد العائلة نفسها مطاردة ومنبوذة ومهددة بكل انواع الاستغلال مع رحيل التنظيم، مثل مئات العوائل الفقيرة التي تورط ابناؤها في مبايعة التنظيم، كما يقول احد اقاربهم.

 

بعدها بيومين توفيت شيماء في مستشفى الموصل نتيجة اصابتها بحروق من الدرجة الرابعة، بعد ان “يئست من ايجاد سبيل للخلاص من وجع استغلالها جنسيا من قبل احد اقرب الناس اليها، تاركة عائلة تضم طفلين بلا معيل يتهددهم الفقر والاستغلال والوصمة الاجتماعية وتطاردهم اجراءات الأجهزة الامنية”، تقول ناشطة مدنية تابعت اوضاع العائلة لعدة اشهر أملا في مساعدتها وسط جو من الكتمان والرعب والصدمة.

 

تقول ليلى، وهي تغمض عينيها، وكأنها تستحضر آخر لحظات حياة شقيقتها “في كثير من الليالي كانت تختفي شيماء لنجدها بعد ساعات جالسة على حافة قبر والدتي في مقبرة الساحل الأيمن القريبة من منزلنا، تتكلم معها وتنبش التراب بيديها وتصرخ انهضي وشاهدي استغلال شقيقك لي.. انهضي وتفرجي ماذا يفعل خالي بي بسبب ابنك الداعشي العاق”.

 

شيماء، التي “ذبل جمالها” خلال سنوات حكم التنظيم لنينوى (2014-2017) وبعدها خلال الحرب التي اتت على معظم اجزاء المدينة القديمة ذات البيوت المتلاصقة والأزقة الملتوية الضيقة، وجدت نفسها بعد وفاة والدها ومقتل شقيقها في احدى معارك التنظيم، مسؤولة عن اعالة العائلة، لتتعرض مع استعادة القوات العراقية للمدينة لكل اشكال النبذ الاجتماعي والاستغلال الجنسي.

 

تقول الناشطة التي تعمل في الموصل منذ تحريرها، والتي فضلت عدم ذكر اسمها والجهة التي تعمل فيها “تعرضت شيماء لأبشع انواع الاستغلال بما فيها الجنسي ومن اقرب الناس اليها، كخالها المنخرط في احدى التشكيلات الأمنية والذي لجأت اليه لمساعدتها، ومن أفراد آخرين في الأجهزة الأمنية المختلفة التي تسيطر على نينوى بسبب شقيقها الداعشي المقتول”.

 

تضيف الناشطة التي عبرت عن ألمها لفشلها في انقاذ شيماء “عائلتها عادت الى منزلها بعد فترة نزوح خوفا من حجزهم في مخيمات العزل التي اقامتها الحكومة لعوائل مقاتلي التنظيم، ما جعل العائلة هدفا سهلا للاستغلال في بيئة معادية، فالعديد من سكان منطقتهم الذين عانوا من تصرفات شقيق شيماء اعتبروا جميع افراد العائلة مجرمين وليسوا ضحايا بدورهم”.

 

تنتشر حول الموصل التي تعرضت نتيجة الحرب نحو 40% من أحيائها لدمار كلي او جزئي، ستة مخيمات تضم بضعة آلاف من عوائل مقاتلي التنظيم، بينها مخيم عزل يضم عددا كبيرا من عوائل التنظيم، الذين يعيشون في ظروف معيشية يصفها نشطاء بـ”الكارثية”، وفي  شبه عزلة، في وقت لم ترسم الحكومة العراقية ولا المنظمات المحلية والدولية رؤية واضحة بشأن كيفية التعامل معهم بوجود نسب عالية من النساء الأرامل والأطفال اليتامى الذين يكبرون في بيئة من الاستغلال والحرمان والنبذ الاجتماعي والضغط الأمني.

 

في عدد من تلك المخيمات وفي بعض أحياء الموصل رصد فريق التحقيق، اكثر من 16 حالة استغلال جنسي خلال ثلاثة اشهر من التقصي، فضلا عن توثيق عدد مضاعف من القصص على لسان نازحين مقربين من الضحايا، الى جانب شهادات رجال أمن حاولوا وقف العديد من الاعتداءات.

 

من بين الضحايا “هدى” التي لم تكن قد بلغت الخامسة عشرة من عمرها حين زوجت بالاكراه من احد عناصر التنظيم بعد ان مارس ضغوطات على عائلتها، لكنها ذاقت بعد تحرير المدينة ومقتل زوجها الذي طالما حلمت بالخلاص منه، أشكالا مختلفة من الحرمان والاستغلال، حتى وقعت في “شباك” احد منتسبي القوات الأمنية الذي “استغلها جنسيا مقابل ان يحميها من الضغوطات الاجتماعية والملاحقات الأمنية”.

 

تطور الأمر ليتحول منزل هدى شبه المهدم، في حي الأمين بالجانب الايمن من الموصل، جراء القصف الجوي لما يشبه “وكر دعارة، يتردد عليه العشرات من منتسبين امنيين وآخرين مقابل وجبة طعام او بضعة آلاف من الدنانير”.

 

قبل أن تقدم على الانتحار بشهرين، التقى فريق التحقيق بشيماء، يومها قالت وهي تمسح دموعها بيدها التي حفرتها جروح سكين نتيجة محاولة انتحار سابقة: “وأنا أحاول تأمين حياة لمن بقي من أفراد العائلة، لم أسلم من شر أحد، حتى خالي استغلني دون ضمير أو خجل أو خوف من اله سيحاسبنا”.

 

شيماء عانت من تحرشات واستغلال اشخاص مختلفين وصفتهم بالذئاب، منهم موظفو دوائر كانت تراجعهم لاستحصال راتب والدها التقاعدي. تابعت دون ان ينقطع سيل الدموع عن وجنتيها: “الجميع ينظر اليَ كفتاة مباحة وليس لي من يحمني”.

 

الضغوط والملاحقات الأمنية، دفعت شيماء الى بناء علاقة مع احد منتسبي الحشد الشعبي، الذي حماها من خالها ومن آخرين حاولوا استغلالها، “ليستأثر” بها لنفسه.

 

كان هم شيماء استخراج اوراق ثبوتية وشهادة وفاة والدها، لتحصل على راتبه التقاعدي، وتعيل شقيقها الصغير وشقيقتها الأصغر، وعندما وكلت محاميا ليتولى ذلك، عجزت عن دفع أجوره ما عطل حلم خلاصها من الاستغلال، وهذه كانت القشة التي دفعتها لانهاء حياتها، بحسب ليلى “نحن نحاسب بجريرة شقيق عاق ظالم حول حياة العائلة بأكملها الى جحيم”.

 

“لم يكن احد راضيا عن انتماء شقيقنا الى داعش”، تضيف ليلى “لقد اقدم على ضرب والدتي وشهر السلاح بوجه والدي الذي توفي بعد ذلك بجلطة قلبية، لأنهما رفضا تأييده، واليوم نُتهم بسببه.. لأننا فقراء لم نجد أحدا يساندنا، أقرباؤنا تخلوا عنا.. بينما بعض الدواعش وعوائلهم ممن لهم عشائر او أموال، يعيشون بلا مشكلة، بل بعضم يتسلم اليوم مناصب في الدولة”.

 



الردود

اترك رد