تنشر سومر نيوز نبذة عن الشاعر العراقي الراحل خضير هادي

 

 

"بالغربة ويجيني الصوت

 

وين أنت اشتهيت الموت

 

بنص بغداد أريد الموت"

 

هكذا تمنى خضيّر هادي الموت في العاصمة العراقية التي فاضت صوره الشعرية بالتغني بها وبالوطن وبمشاعر العاشقين الفياضة، قبل أن تعود فترسمه اليوم في أذهان الشعراء ومحبي الشعر بعد سويعات من رحيله إلى مثواه الخير في أحد مستشفيات أربيل شمال العراق، إثر نزيف في الدماغ.

 

إنه ابن الكرادة الشرقية من بغداد الذي غنى له كاظم الساهر وحاتم العراقي، واستطاع أن يلفت الأنظار إليه منذ تسعينيات القرن الماضي؛ وربما كان لقصيدة "خمسة زائد خمسة" -التي يرثي فيها شهداء العراق في الحرب مع إيران- الدور في شهرته؛ فبعد قراءتها أمام الرئيس الراحل صدام حسين الذي أعاد قراءتها في إحدى جلساته، اكتسب هادي شهرة سلطت الأضواء عليه بشكل لافت حتى ردد الكثير من العراقيين مطلعها الذي قال فيه:

 

خمسة زائد خمسة عشرة

 

ثلاثة زائد سبعة عشرة

 

واحد زائد تسعة عشرة

 

عشرة زائد واحد عشرة

 

لأن الواحد استشهد من أجل العشرة

 

ولو باقي الواحد ما ميت؛ كان ضاع الواحد والعشرة.

 

 

وشهدت العاصمة العراقية بغداد يوم الخميس الموافق 25 نيسان 2019،  تشييع جثمان الشاعر الشعبي العراقي، خضير هادي، الذي غيبه الموت مبكرا عن 57 عاما، بعد مرض لم يمهله طويلا.

 

انطلق موكب تشييع هادي من المسرح الوطني وسط بغداد، علما أنه توفي بعد تعرضه لأزمة صحية حادة في أحد مستشفيات أربيل شمال البلاد.

 

ولد هادي في عام 1962، وتشكلت موهبته الشعرية في سن مبكرة، لكن صيته ذاع محليا بعد قصيدة "خمسة زائد خمسة"، التي ألقاها أمام الرئيس الراحل صدام حسين.

 

واشتهر الشاعر بغزارة إنتاجه من الشعر الشعبي (باللهجة العراقية الدارجة) وتنقل بين دول عديدة بعد غزو الولايات المتحدة للعراق في 2003. وتغنى بأشعاره عدد من الفنانين العراقيين، منهم حاتم العراقي وهيثم يوسف وصلاح حسن.

 

وكتب هادي قصيدة رثاء شهيرة في 2015 للطيار الأردني، معاذ الكساسبة، الذي قتله تنظيم "داعش" بعد سقوط طائرته الحربية في سوريا.

 

كما كتب أغنية "يا سوري" المهداة للشعب السوري والتي ألقى خلالها أبياتا من الشعر، ولاقت إعجابا واسعا.

 

ونعت وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية في بيان الشاعر الراحل، قائلة إنه "كان يحظى باهتمام ومتابعة شريحة واسعة من الجمهور العراقي والعربي، وعُرف بقصائده التي تنوعت بين السياسية والوجدانية والغنائية، وأدخل لونا مختلفا من اللحن على قصائده".

 

التميز والسبق

 

"كان اللون الشعري الخاص الذي اختاره لنفسه من خلال طريقة الإلقاء الفريدة بمثابة مدرسة جديدة في باحة الشعر الشعبي"؛ هذا ما وصفه به رئيس منتدى شعراء الفلوجة 90 ياسر عليوي الكبيسي، مضيفا أن الراحل كان مشاكسا لاذعا للقصيدة وبطور ونمط ميزه عن أقرانه، كما أنه متمكن من كتابة كل أنواع الشعر الشعبي إلا أنه تميز بـ"الأبوذية" (نمط من الشعر الشعبي).

 

ويضيف عليوي قائلا "إن هادي بمثابة مجدد للشعر الشعبي من خلال مغامرته بإدخال الفرقة الموسيقية مع القصيدة، فكانت انتقالة وخصوصية رائعة أضفاها للشعر الشعبي، وكان أول تسجيل له عام 1996، وبهذا أعطى طابعا جذب به الكثير نحو الشعر الشعبي، وصار الكثيرون يحفظون له ويرددون مقاطع من قصائده؛ وما زالت -حتى بعد مضي عقود- قصيدة "عليهم" التي تعد إحدى أروع بصماته الشعرية التي لا ينساها عراقي عشق الشعر الشعبي؛ أردد الكثير منها وربما ما جرى على لسان الكثير هو مقطع:

 

أكبر نار تطفه وتنتهي بلحظات

 

بس نار الضمير اتشب و لا تبرد

 

الطيبة تنذكر بس لا تخون القاع

 

اليزرع أبد ما أريده يتردد

 

مِن داروا عليّ وانت كنت موجود

 

صرت سيف وقصيده وما نخيت أحد.. عليهم

 

ويقول الشاعر المخضرم مقدم البرنامج الشعري الشهير "مضايف أهلنا" إبراهيم مطلق الفرحان إن بصمة التميز لهادي عن الكثيرين ظهوره في فترة لا يقول الشعر فيها إلا الشجعان، فجعلته ظاهرة انتشرت في كل المحافل وسار ذكرها على كل لسان، وتميز بخط شعري يشار إليه بالبنان لجمعه بين السلاسة بالمفردة والبساطة بالأسلوب والقوة بالمعنى.

 

التمسك بوطنيته

وعن أشعار الراحل الوطنية، يقول مطلق "يوسم الكثير من الشعراء بالتملق بسبب عدم استقرارهم على مبدأ في مدح فئة أو شخصية أو حتى مناهضتهم لموقف ما بسبب سعيهم خلف منافعهم الشخصية؛ لكن هادي أبى ارتداء هذا الثوب، وبسبب مواقفه الوطنية التي لم يجنح بها لدروب الطائفية كما فعل غيره، وبسبب كثرة الطوائف المتنازعة بعد الاحتلال الأميركي، وعدم قبوله الميول لأي جهة سياسية أو مسلحة متمسكا بالحياد والوطنية، نشأ له خصوم اضطروه للهجرة خارج البلاد متنقلا بين سوريا ولبنان والكويت ومصر. مرغما تغرب عن بغداد التي لم تفارق أشعاره".

 

قيل عن الراحل من بعض الشعراء والنقاد إنه أساء للشعر وخرج من جلال الشعر وهيبته إلى الموسيقى، وإنه عرّض الشعر للابتذال بهذه الصورة؛ لكنه دافع عن نفسه بما استطاع من خلاله إقناع الجميع بالأسباب، وذلك عبر لقاء تلفزيوني أجراه مع مقدم برنامج إضاءات الإعلامي تركي الدخيل، قائلا: "لا، لكن القصيدة كانت تقرأ على المنصات فحسب، فتذهب من الشاعر إلى الشعراء الجالسين وبعض المتذوقين للتفعيلة، ولا وجود للإعلام حينها لنقلها للجمهور، فابتكرت هذه الطريقة، ووجدت رواجا حتى بدأ الكثير لاحقا تقليدها حتى في الوطن العربي".

 

مثواه الأخير

رحل أحد مجددي مدرسة الشعر الشعبي بعد مسيرة طويلة قضى معظمها في الغربة عن عمر ناهز 57 عاما في المستشفى إثر نزيف في الدماغ، كما صرح نجله سيف قائلا "إن أبي أصيب في فترات ماضية بأكثر من عشر جلطات دماغية خفيفة مرت بسلام بعد أن عين له مختصون سويديون، وإن السبب في كل تردي الوضع الصحي له هو حزنه على فراق بغداد وعلى الوضع الذي يمر به أبناء هذا الشعب، مضيفا أنهم منعوه من متابعة الأخبار التلفزيونية في الآونة الأخيرة لكنه لم يمتنع تماما، وقد حصل ما حصل وفجأة أصيب بنزف حاد بالدماغ توفي على إثره بعد ساعات من الحادث"، خاتما قوله "إنني بعد أبي سأكون خائفا لأنه كان قدوتي وأسوتي".

 

بالدفاع عن التفعيلة ورغبة إيصال القوافي والأوزان للجمهور والتغني بالوطن ومآسيه بروح وطنية نال الغربة بسببها، بنى الراحل خضير هادي لنفسه قاعدة في قلوب محبي الشعر، ليبقى في ذاكرة العراقيين والنقاد مفروضا بقدراته كمجدد لمدرسة الشعر الشعبي، واسما يعترف به الخصوم والمحبون.