عباس الصباغ ادرك الجميع بان عراق ما بعد التغيير النيساني المزلزل يختلف كليا عن عراق ما قبل ذلك التغيير، كما ان عراق مابعد داعش يختلف ايضا عن عراق ماقبله فهما تحولان استراتيجيان استدعيا هذا الحراك الدبلوماسي المتبادل بين العراق ومحيطه الاقليمي لاسيما دول الجوار وهو حراك يعبّر عن توجه دبلوماسي ناضج وصحيح وبعد عقود طوال من التخبط في علاقات مريبة وغير متوازنة ارست ملامحه الديكتاتوريات المتعاقبة دفع العراق ثمنها الباهظ من فرص تقدمه وتطوره، ناهيك عن خسارة شراكات ومصالح كانت ضرورية مع جيرانه واصدقائه. لذا كان على صاحب القرار العراقي الان ان يسير في اتجاهين متلازمين يصبان كلاهما في هدف واحد، وذلك ان مصلحة العراق تقتضي السير في هذين الاتجاهين معا الاول هو ترميم مايمكن ترميمه من الخراب الشمولي الذي احدثته السياسات الخاطئة للنظام التوليتاري السابق في مجمل علاقات العراق الخارجية خاصة مع جيرانه الذين اشعل معهم حربين مدمرتين احرقتا الاخضر واليابس واستنزفتا مواردَ بشرية ومادية هائلة وبقيت علاقاته مع بقية جيرانه يشوبها الحذر والقلق واللااستقرار، والثاني اقامة علاقات منضبطة ومتوازنة ومعتدلة مع الجميع والوقوف على مسافة واحدة معهم وعدم الانحياز الى جهة دون اخرى وخاصة بين الدول المتنازعة او التي بينها خلافات مزمنة، وعدم الانخراط في سياسة المحاور التي كانت الانظمة السابقة تورّط العراق بها. فالعراق أصبح الان دولة محورية مهمة في بناء مستقبل الاستقرار الاقتصادي وتعظيم الروابط الاقتصادية والامنية بين بلدان المنطقة، وهو نقطة جذب اقتصادي وتوازن بين المصالح الإقليمية والدولية. اذ اصبح يمثل نقطة التقاء وتضاد بين أصدقاء وخصوم إقليميين وصارت بغداد قبلة لجميع تلك الاطراف بعد ان تموضعت بوصلة الدبلوماسية العراقية في الاتجاه الصحيح مبتعدة عن سياسة التمحور والتكتل والانحياز والاستقطاب والاستعداء وأصبح العراق ينتهج الاعتدال كاستراتيجية تسيِّر سياسته الخارجية وتُمنهجها مع جميع دول العالم ومن دون الانخراط في أية منظومة إقليمية على حساب المصالح العليا للشعب العراقي والأمن القومي العراقي والسيادة العراقية فضلا عن عدم الانزلاق في الملفات الإقليمية والدولية الساخنة او الشائكة وعدم التدخل في شؤون اية دولة والحرص على إقامة علاقات ثنائية تقوم على أسس مشتركة وفق الاعراف الدولية المعمول بها وتجلّى هذا المسعى مؤخرا في قمة بغداد لبرلمانات دول الجوار وعدّها الجميع خطوةً في الاتجاه الصحيح تأتي لتعزز انفتاح العراق على جواره الإقليمي وفرصة مؤاتية له لبلورة رؤية جديدة من العلاقات والانفتاح والتعاون لأن العراق يمكنه ان يقوم بدور الجسر لكسر الهوة بين الدول المتصارعة وتلاقي المصالح، فسياسة الاعتدال التي ينتهجها العراق ليست بالإجراء السهل او اليسير لأسباب منها ان طبيعة العلاقات الخارجية ولعقود كانت مصابة بالتشنج والتعسر والتخبط وليس من السهولة بمكان ان تزول آثارها بين ليلة وضحاها. ولهذا كانت المهام الملقاة على عاتق أصحاب القرار في رسم خارطة طريق آمنة للسياسة الخارجية مهاما صعبة ولكن ليست مستحيلة فالتوازن العراقي والاستقرار في الحالة الأمنية، والتحسن النسبي في الوضع الاقتصادي العراقي، أتاح للعراق فرصة لموضعة دوره من جديد. وهذا التوجه الإقليمي والدولي في السياسة الخارجية العراقية، يدل على النضج والادراك الصحيح للقيمة الجيو-استراتيجية للعراق في الشرق الأوسط، ومما لاشك فيه ان هذه السياسة المعتدلة والمتوازنة التي انتهجها العراق لم تسفر فقط عن تطور العلاقات السياسية للعراق مع تلك الدول، انما شملت ايضاً تطوراً وتوازناً في علاقاته التجارية والاقتصادية والثقافية والنفطية بما يحقق المصالح الوطنية للعراق كما جنبت العراق وستجنبه مستقبلاً اية تداعيات أو تبعات سلبية لاحتدام الصراعات الاقليمية والدولية المحتملة.. هذا اضافة الى منع ان يكون العراق بندقية أو ساحة مواجهة لصراعات وحروب اقليمية، فالعراق لن يكون طرفاً في أي نزاع إقليمي او تكون اراضيه مسرحا لها، بل أنه يريد أن يكون مركز ثقل من أجل استقرار ومصالح المنطقة وإبعاد شبح الصراعات والحروب عنها خدمة لمصالح جميع دول المنطقة ومنها العراق، ومن مصلحته تجاوز منطق الحروب والتوترات مع دول الجوار، وان ينفتح على الجميع مهما كانت مشاربهم السياسية وهو انفتاح عكس صورة ايجابية عن نضوج الدبلوماسية العراقية