محمد بدر الدين زايد يأتي التصعيد الحالي في المواجهة الأميركية – الصينية، كتطور طبيعي ومتوقع متسق مع استراتيجيا إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورؤيته منذ حملته الانتخابية وما قبل توليه للحكم. ولعلي كنت أشير دوماً إلى أنه على رغم تفجر ملفات عدة في الشرق والغرب، بما في ذلك ملف العلاقات الروسية – الأميركية، إلا أن المحور الرئيس لاستراتيجيا هذه الإدارة، هو مواجهة الصين، ووقف تطورها المتنامي أو عرقلته على الصعد كافة. ويتعلق الفصل الجديد والعاصف في هذا التصعيد، بالخلاف حول قضية شركة «هواوي» الصينية، ثاني أكبر شركات الهواتف المحمولة في العالم، وهو يدور حول بعد خطر يتعلق بتكنولوجيا الجيل الخامس، ما يعد أمراً مفهوماً ومنطقياً وله دلالاته في آن معاً، في ضوء خطورة امتلاك الصين لهذه التكنولوجيا، وانتقال الأمر إلى احتمال تهديد الأمن العسكري الأميركي، إضافة إلى تفاصيل أخرى تتعلق بهذه القضية المهمة، التي تتضمن أيضاً مسألة الشكوك المبررة حول عدم احترام الصين لحقوق الملكية الفكرية وهو أمر معروف وكتب عنه الكثير. وارتباطاً بهذه القضية المحورية، أي حقوق الملكية الفكرية، يتناسى الجانب الأميركي أن حلفاءه في اليابان وكوريا الجنوبية وإسرائيل سبقوا الصين في عمليات التجسس الصناعي بما في ذلك العسكري، خصوصاً في حالة «المدللة» إسرائيل وتجسسها على حليفتهم الأولى واشنطن، علماً أن جانباً كبيراً من النمو والتقدم الاقتصادي لهذه البلدان الثلاث جاء من هذا الطريق. مع ذلك، يظل الفارق كبيراً، كونها دول حليفة، لكنها، باستثناء اليابان، لم تشكل تهديداً اقتصادياً لواشنطن، كما أنها لم تشكل تهديداً عسكرياً بأي حال من الأحوال بعد الحرب العالمية الثانية، خلافاً للصين التي يفوق تهديدها الاقتصادي وحده أي أفق لتهديد اليابان الاقتصادي. حقيقة الأمر أن ملفات التنافس والتصعيد بين البلدين، ممتدة منذ سنوات، لكنها صعدت إلى المستوى الاستراتيجي مع إدارة ترامب. علماً أن لفت الانتباه الحالي حول قضية حرية التبادل التجاري، ربما يغفل ملفات أخرى سبق التصعيد فيها منذ بعض الوقت، كان بينها الحديث عن الصراع والتنافس في إفريقيا، والانزعاج الغربي، وليس فقط الأميركي، من التنامي الأسطوري للنفوذ الاقتصادي والسياسي الصيني في إفريقيا. حاول الطرف الغربي أساساً مكافحة هذا النفوذ بالدعاية المضادة، مع مواصلة السياسات الغربية ذاتها، من تدخل خارجي وشروط سياسية، وهو ما دعم مكانة الصين، التي واصلت ببساطة سياستها وتغلغلها المستمر في هذه القارة. ولعل الحملات السياسية والإعلامية الغربية ضد سياسات الصين وسعيها إلى الحصول على الموارد الطبيعية الإفريقية التي ركزت عليها هذه الدعايات، إلا أنها أفلحت فقط في زيادة القروض والاستثمارات الصينية الميسرة، ومن ثم أدت إلى مزيد من النفوذ والحضور الصيني في هذه القارة، ما جعل فرص عودة النفوذ الغربي تبدو أضعف من ذي قبل. منذ سنوات، بدأ حديث عن صراع بين الطرفين في المناطق القطبية يتمحور حول ثرواتهما وممراتهما الجديدة للشحن بسبب ارتفاع درجات حرارة الأرض، وفرص استغلالها التي ستحقق الكثير من المكاسب الصينية في عمليات الشحن إلى أوربا، كما يعد ذلك مجالاً حيوياً للطاقة والمعادن والصيد. ولكن حقيقة الأمر، أن استثمارات الصين ورحلاتها الاستكشافية في هذه المنطقة، لا تتعدى ربع الاستثمارات الأميركية التي مازالت محدودة نسبياً. وقبل أن تشغل هذه القضية وسائل الإعلام والدوائر السياسية، بدأ نقاش أكاديمي جاد منذ سنوات، حول أبعاد هذا التنافس ومستقبله، وإن كان قليل منها حاول أن يخاطب بشكل محدد السؤال الجوهري في هذا الصدد، وهو: هل يمكن للولايات المتحدة عرقلة النمو الصيني وصعود الصين لاحتلال المكانة الاقتصادية الأولى في العالم؟ من بين أكثر الأمور التي تعقد الرؤية الفكرية لهذا التنافس، كان وما يزال يتعلق ربما بطبيعة علاقة الاعتماد المتبادل غير المسبوقة اقتصادياً في تاريخ التنافس الإمبراطوري. والمقارنة هنا بين ما يجري حالياً وبين حالة الحرب الباردة - السوفياتية غير واردة. لكن، لا يوجد نظير للحالة الراهنة في نماذج التنافسات الأوربية التي تلت العصور الوسطى بما في ذلك الفرنسية – البريطانية. وقطعاً ليس هناك أي تشابه ذي قيمة مع الإمبراطوريات القديمة، فنحن أمام حجم ضخم للتفاعلات التجارية والاستثمارية بين الجانبين، تثير التساؤل عن مصير البلدين في حالة انفلات المواجهة حتى على الصعيدين التجاري والاستثماري وحدهما. يندفع البعض في مقارنة القدرات العسكرية للبلدين، وجهود الصين لمحاولة تعويض الفجوة بينهما، خصوصاً في مجال الأساطيل البحرية، خاصة مع السيطرة الأميركية على كثير من المحاور البحرية للتجارة الصينية. ولكن، يتناسى هؤلاء أن أزمنة الصراع البحري الاستعماري الأوربي ولّت، وأنه في الوقت الذي تواصل فيه الصين بناء قدراتها العسكرية، تبدو أكثر إدراكاً، كما أن ليس لديها رغبة في مواجهة عسكرية مدمرة للجانبين، لن تصب إلا في مصلحة العملاق العسكري غير الاقتصادي، أي الاتحاد الروسي، وهو الأمر الذي لا يطرحه أحد وسط هذه المواجهة المعقدة التي يبدو الروسي المستفيد الرئيس منها. الاستراتيجيا الأميركية لعرقلة صعود الصين، تتصدرها الضغوط الاقتصادية، بما يحقق في النهاية تباطؤ النمو الاقتصادي. ولا يقتصر الأمر على قضية الملكية الفكرية، أو الرسوم الجمركية، أو من مزيد من القبول الصيني بواردات أميركية، إنما يتعلق ذلك أيضاً بعرقلة استراتيجيا الصين المسماة «الحزام والطريق»، التي هي بمثابة وعاء استراتيجي لصعود هذه الإمبراطورية بشكل غير مسبوق تاريخياً، اعتماداً على النمو الاقتصادي والتغلغل الخارجي، كما لا يغيب عن الاستراتيجيا الأميركية بعض الاستنزاف العسكري المحسوب. وفي ما يتعلق بأشكال هذه الاستراتيجية وتحدياتها، تجدر الإشارة إلى كل الجهود السابقة في إفريقيا أو آسيا، أدت إلى مزيد من النمو الصيني. فالتخويف من العملاق الصيني، من دون تقديم بديل يحترم الأطراف الإفريقية والآسيوية، لم يؤد إلا إلى مزيد من التغلغل الصيني، الذي كان تجارياً أكثر في ما مضى، وأضحى اليوم الأكبر استثماراً وقروضاً تربط هذه الأطراف بالصين. الصين اليوم، ليست تلك التي كانت في الماضي، فهي تطور بقوة نظامها التعليمي وبكفاءة عالية للغاية، كما أن أبناءها يملؤون الجامعات الغربية بشكل لا نظير له في التجارب التنموية السابقة. أصبحت بكين قطباً رئيساً ومشاركاً في صناعة التكنولوجيا، وهي تملك القدرات المالية والاقتصادية لبناء نهضة علمية وتكنولوجية غير مسبوقة. وعلى الأرجح، فإن العقوبات على شركة «هواوي» قد تؤدي إلى مسارعة الصين بشكل غير مسبوق، إلى امتلاك بدائل تكنولوجية، ربما تؤدي إلى اندلاع مواجهات من نوع جديد في مجالات التشويش الإلكتروني والتنافس التكنولوجي والعلمي الذي قد يرهق الطرفين معاً وربما العالم كذلك. السؤال الذي طرحناه في عنواننا ليس سهلاً. ومع ذلك، من المحتمل أن تنجح محاولة عرقلة النمو الصيني لسنوات قليلة. لكن عنجهية السلوك الأميركي في تحقيق هذا الهدف، قد تعجّل من صعود الصين في المدى المتوسط، وهو أمر لم يكن وارد الحدوث قبل عقود عدة. وإلى أن تتضح نتائج كل هذه التفاعلات المعقدة، فإن من شأن ما يجري زيادة أجواء عدم الاستقرار في النظام الدولي، وليس فقط ازعاج مستخدمي الهواتف الصينية.