لم يشهد العراق معضلة خدمية في تاريخه الحديث كمعضلة الكهرباء، فهذه الازمة المزمنة باتت عصية عن الحل في ظل الفساد المستشري بمفاصل الدولة، لا يستطيع أي مسؤول ان يعد بحلها نتيجة التراكمات الهائلة في هذا الملف الشائك الذي يستنزف موارد الدولة دون جدوى، فما أهدر على هذا القطاع يفوق موازنات بعض دول الجوار، والواقع.. انتاج لا يغطي ساعات اليوم، خطوط نقل متهالكة، ومنظومة توزيع بالية، حيث تعجز المغذيات في المناطق السكنية واغلبها قديمة ومتداعية ان تلبي الحاجات المتزايدة للطاقة، بعد ان تطورت القدرة الشرائية للعائلة العراقية. وزارة الكهرباء تهتم بالإنتاج، وتهمل التوزيع، والنتيجة اعطاب بالمغذيات في الكثير من مناطق بغداد تحت حرارة تصل الى نصف درجة الغليان، يقاومه المواطن بالمراوح، والدعاء الى الله ان ينعم عليه بنسمة هواء عليلة، بعد ان استأثر اللصوص والسراق بالمال العام، وتحول الى ارصدة بنكية في مصارف خارجية، حيث يتنعمون وعوائلهم في ارجاء اوروبا وربوعها.. ولا عزاء للفقراء من عامة الناس. والحقيقة عانينا توقف الكهرباء بالسابق مرات عدة ولأسباب مختلفة، ولكن هذه المرة كانت التجربة قاسية فعلا، فمنذ ان غادر عيد الأضحى رحلت الطاقة عن محلتنا ولم تعد، وهنا بدأنا نكتشف بعض الحقائق الصادمة، فقد أخبرنا مركز الصيانة ان المغذية معطوبة، والموضوع قد يتعدى الشهرين او الثلاثة، ولأننا كعراقيين مغرمون ان نحدد التاريخ ونربطه دائما بالأحداث، أكد المهندس ان بعض المغذيات قد تعطلت منذ (المطرة الأخيرة).. وما يزال المتضررون بانتظار الفرج. عرض الأهالي شراء المغذية، وهو طلب مغلف لتقديم الرشوة، وكان الجواب ان صرف المغذيات يتم من قبل الوزارة، وبعد اجراء اتصالات ووساطات، لم نحصل الا على الوعود الفارغة، والمسوغات الكاذبة.. فمرة ان الأهالي لم يدفعوا الجباية، وأخرى انها مفقودة في المخازن، وأخرى.. وأخرى.. ونحن نسأل هل عجزت الدولة على استيراد مغذيات ذات مواصفات جيدة من مناشئ معروفة تسد حاجة البلد؟ هل وزارة الكهرباء لا تمتلك تخصيصات لشرائها؟ إذا كانت الصناعة المحلية غير قادرة على ذلك، فما الضير من وضعها ضمن الاتفاقيات التي ابرمت مع الشركات العالمية؟ هل يستطيع انسان ان يعيش صيف العراق القائظ دون كهرباء؟ لو كان الحال يخص أصغر المسؤولين لكانت الوزارة سباقة في تلبية الطلب، ولكن هموم الناس لا تستحق الاهتمام. سننتظر ثلاثة أشهر ونترقب ان تعود الطاقة الى عشرات المحلات السكنية، رافعين اكف الدعاء ان يديم الله وزارتنا الرشيدة.. المريض والموجوع والعجوز والعاجز والأطفال سوف يتحملون وطأة تموز واب، بعد انقضاء حزيران بلا كهرباء.. طلبة الصفوف المنتهية سيفخرون بتفوقهم، ويعلقون خيباتهم على شماعة الطاقة الغائبة.. سنصمد ونقاوم لكي تمتلئ بطونهم الخاوية بالسحت الحرام.. لم اكتب هذه السطور لكي تمن علينا الوزارة بمغذية جديدة، ولكن الصحافة اسفار خالدة.. وسيقرأ من يقرأ في المستقبل.. في أي زمن رديء كنا نعيش