"عام الانضباط الحشدي" وصفٌ أُطلق داخل قيادة الحشد الشعبي مطلع العام الجاري، من شأنه أن يفسّر محلياً الأمر الديواني الأخير لعادل عبد المهدي، والداعي إلى تنظيم عمل مؤسسة الحشد، وشكل علاقتها بالدولة. لكن، في قراءات إقليمية لخطوة رئيس الوزراء، ثمة من يرفض فكّها عن الاشتباك القائم في المنطقة بين واشنطن وطهران، ومحاولة بغداد النأي بنفسها، بكافة مؤسساتها، خاصة أن الجانب الأميركي متوجّس من "دورٍ ما" لهذه المؤسسة في أي مواجهةٍ قد تقع.

 

بين القراءتين، «الحشد» رابح. حضور المؤسسة كما في الميدان، يشتدّ قوة في السياسة، في ظل رعاية عبد المهدي، الذي «قونن» هذا الحضور ومنحه المزيد من الشرعية

 

في تقديمه لـ«الأمر الديواني» الخاص بـ«هيئة الحشد الشعبي» (237/ 2019)، حرص المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء عادل عبد المهدي، على التأكيد أن الهدف من هذه الخطوة «ضمان تحصين الهيئة... ومراعاة انسيابية عملها». قرارٌ في توقيته يحمل رسائل عدّة إلى داخل العراق وخارجه، لكنّه (على اختلاف تفسيراته) يصبّ في مصلحة مؤسسة فرضت حضورها ميدانياً ثم سياسياً، طوال السنوات الخمس الماضية.

 

ثمة قناعة مشتركة، لدى واشنطن وحلفائها من جهة، وطهران وحلفائها من جهة أخرى، بأن الحشد الشعبي جزء من أي مواجهة مرتقبة قد تقع في المنطقة بين المحورين: الأميركي والإيراني.

 

الحشد، القوّة العسكرية ــــ الأمنية الأبرز حالياً في العراق، يمزج في تكتيكاته الأساليب القتالية للجيوش والعصابات (بمعنى آخر، خليط من القتال الكلاسيكي وغير الكلاسيكي).

 

هذه القوة، في تجربتها إبّان الحرب على تنظيم «داعش»، كان لها انتماء عقائدي خاص، يُرجع البعض إليه الفضل في الانتصار على أكثر التنظيمات تطرّفاً في العالم، في فترة وجيزة.

 

معطيات تفرض سؤالاً عن تموضع "الحشد" في أي مواجهة مماثلة، في ظل الانتشار العسكري الأميركي الكبير على أرض الرافدين (التقدير الميداني أن عديد تلك القوات يناهز 20 ألف جندي) بالدرجة الأولى، ومحاولة فهم المُراد من رمايات "الكاتيوشا" المجهولة على عدد من المصالح الأميركية بالدرجة الثانية. ثمة من يؤكد أن الأميركيين (وحلفاءهم الخليجيين) أرادوا انتزاع ضمانات من عبد المهدي، في هذا السياق، بأن "الحشد خارج هذه المعادلات".

 

مصادر أمنية عراقية تؤكد أن الجانب الأميركي يمارس ضغوطاً على عبد المهدي، لـ"حسم تموضع الحشد، أو تحييده في الحدّ الأدنى عن أي مواجهة".

 

وتضيف، أن الأمر الديواني في مضمونه "لم يحمل شيئاً جديداً"، غير أن "العبرة" تكمن في إمكانية تطبيقه.

 

المصادر عينها تصف رئيس الوزراء بالضعيف، فالرجل بين فكّي كمّاشة: ضغط واشنطن وضغط الفصائل، موضحةً أن ترحيب قيادات الفصائل بالقرار بمثابة المساندة الإعلامية.

 

 فالأخيرة تعيش حالياً "فترة ذهبية" في علاقتها مع رئاسة الوزراء، مقارنة بتلك إبّان حكومة حيدر العبادي، حين اتسمت بـ"الاختلاف إلى حدّ الصدام".

 

ويرفض البعض، كحال "ائتلاف النصر" (بزعامة العبادي)، اعتبار الأمر الديواني "إنجازاً" حكومياً، وخصوصاً أن رئيس الوزراء السابق أصدر أمراً ديوانياً مماثلاً (57/ 2018)، يحاكي في بعض جوانبه ما صدر قبل يومين، إلا أن المصادر تعلّق على ذلك بأن "العلاقة بين الطرفين دفعت إلى تجميد القرار السابق، غير أن قيادة الحشد أيّدت القرار الحالي!".

 

مصادر رئيس الوزراء لها تفسيرٌ آخر. إقليمياً، يُمكن وضع تلك الخلفية في تفسير الأمر الديواني، إلا أنها تنفي ما يُروّج عن الضغوط الأميركية، متمسّكة بأن "الدوافع وطنية، وتطبيق لما ورد في المنهاج الحكومي"، ذلك أن المرحلة الحالية ــــ بتعبيرها ــــ تفرض استعادة الدولة هيبتها، وإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية ـــــ الأمنية، وحصر السلاح بيد الجهات المخوّلة، وبإمرة القائد العام للقوات المسلحة. وعليه، فإن "من الطبيعي إصدار قرار مماثل"، غير أن التساؤل/ النقاش حول "توقيته وتطبيقه".

داخلياً، ثمة تأويلات لأمر عبد المهدي، خصوصاً من أولئك المقربين من نائب رئيس الهيئة أبو مهدي المهندس. يستند هؤلاء، في حديثهم، إلى ضرورة التمييز بين الحشد وتشكيلاته، وفصائل المقاومة وتشكيلاتها.

 

صحيحٌ أن الأخيرة عماد هذه القوّة التي تحوّلت لاحقاً إلى مؤسسة وازنة، غير أنّ بعضها يحاول الاحتفاظ بخصوصيته: «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» أبرزها (يصفهم البعض بـ«المنتمين إلى الخط الولائي»، أي إن مرجعيتهم طهران).

 

يضيف هؤلاء أن كبرى الفصائل (لناحية عديدها)، أي «منظمة بدر» و«عصائب أهل الحق»، قد التزمت الأمر قبل إصداره (يؤكّد هؤلاء التزامهم قرار المهندس الصادر في العام الماضي)؛ فالألوية التابعة لها «فكّت ارتباطها التنظيمي... تلك القوى باتت أشبه بالأحزاب السياسية ليس لها جناح مسلّح كالسابق»، لكنها ستُبقي على بعض المجموعات لحماية مقارّها بالتنسيق مع القائد العام للقوّات المسلحة. هنا، يُحسم تموضع «الحشد»، أي إنه ملتزم قرار الدولة العراقية وتوجّهاتها، في وقت تُحافظ فيه فصائل المقاومة على وجودها، بشرط أن يكون ذلك كمشهد «عراق 2011 ـــــ 2014»، أي بعيدة عن الضوء ومن دون أن يكون لها ظهور علني.

 

عمليّاً، خطوة عبد المهدي تحمل في بعض جوانبها الداخلية طمأنةً لـ«المرجعية الدينية العليا» (آية الله علي السيستاني) وللشارع العراقي، الساخطين على تفشّي المظاهر المسلّحة، تحت مسميات عدّة. هنا، تبرز رواية المقربين من المهندس، في «تأويل» الأمر الديواني. يرى هؤلاء أن ما جرى هدفه «لفت الأنظار إلى قوة عبد المهدي»، بعدما اتهم طوال الفترة الماضية بـ«الضعف... وعجزه عن اتخاذ القرارات الصارمة». مستشارو عبد المهدي أشاروا إليه بضرورة اتخاذ توصيات تجاه «الحشد»، لكنها ليس بالتوصيات الجديدة، إذ إن «المهندس سبق أن اتخذها قبل عام ونصف عام تقريباً، إلا أن العبادي هو من عرقل تنفيذها أكثر من مرة». مصادر قيادية أخرى في «الحشد» تزعم أن أكثر المتضرّرين من هذا القرار قد تكون «سرايا السلام» (الجناح المسلح لـ«التيار الصدري») والفصائل المحسوبة على «العتبات المقدسة» (ما يُعرف بـ«حشد المرجعية»)، الرافضتين لأي امتثال لقرار قيادة «الحشد»: «التيار مثلاً للمرة الثالثة يحلّ سرايا السلام، وميثم الزيدي (الأمين العام لفرقة العباس القتالية) يتمسك بهيكلية خاصة مغايرة لهيكلية الألوية».

أمام هذا المشهد، يتصدّر «الحشد» كمؤسسة، مرة أخرى، قائمة الرابحين في «عراق ما بعد داعش». حيّدته رئاسة الوزراء عن أي مواجهة قد تقع من جهة، وحافظت على شخصياته ورموزه من أي عقوبات أميركية قد تُفرض مستقبلاً من جهة أخرى، وبالتالي إن مشروعه السياسي قد احتُضِن. مشروع توازيه رؤية هذه المؤسسة الاقتصادية، وتغذية مواردها المالية من مصادر «قانونية». مصادر مقربة من أبرز الشخصيات «الحشدية» تؤكد أن «الهيكلية الجديدة من شأنها إضافة موارد ضخمة على موازنة الحشد»، ذاهبةً إلى القول إن «المديرية المالية للحشد ستعمل على تنظيم استثماراته، بعدما قونن عبد المهدي عملها في قراره». لكن مصادر أخرى تنفي هذا الحديث، مشيرةً إلى أن «عبد المهدي دعا في لقاءات داخلية إلى أن يستثمر الحشد في بعض الأماكن (قبل سبعة أشهر تقريباً)، إلا أن ذلك لم يتحقق لعدم وجود أي سند قانوني لذلك».

 

هنا، تعود مصادر أخرى داخل «الحشد» إلى المربع الأوّل من النقاش. تسأل: «ما الذي تغيّر؟»، لتعود وتجيب بالقول إن «الحشد هو نفسه، وموقفه وقادته وسلاحه على حاله».

 

نقاشات حول "هيكل الحشد"

جاء في «الأمر الديواني» أن «هيكلة الحشد» ستصدر قريباً. وفي هذا السياق، علمت «الأخبار» أن اجتماعاً جمع مدير مكتب رئيس الوزراء محمد الهاشمي، برئيس «هيئة الحشد» فالح الفياض، ونائبه أبو مهدي المهندس، للاتفاق على «صيغتها النهائية».

 

تقول المصادر إن المطروح حالياً خياران: الأول، أن «يكون هناك رئيس أركان كالجيش، أما الثاني فأن يكون على رأس الهيئة نائب رئيس أركان»، مشيرة إلى أن «هذا الجدل مرهون بالواقع العسكري للحشد، وليس هناك خلاف قوي وسيُحل قريباً».

 

«الحشد» بين الأمرين الديوانيين 57 و237

لعلّ أبرز الأوامر الديوانية الصادرة عن رئاسة الوزراء العراقية خلال عامٍ مضى، الأمر رقم 57 (تموز/ يوليو 2018) والأمر رقم 237 (تموز/ يوليو 2019). في المضمون، ثمة تكاملٌ بينهما في «بلورة» دور الهيكل التنظيمي لـ«هيئة الحشد الشعبي». رئيس الوزراء السابق، حيدر العبادي، حسم المسمّيات الوظيفية في «الهيئة»، وفرض في أمره جملة من القوانين العسكرية الخاصّة بالجيش والقوات الأمنية على منتسبي «الحشد»، مؤكّداً نفاذ قوانين المؤسسة العسكرية والأمنية على هؤلاء، لضمان انتمائهم إلى «الدولة».

 

أما رئيس الوزراء الحالي، عادل عبد المهدي، فقد أصدر أمره، قبل يومين، «إيماناً بدور مقاتليه، وضماناً لتحصين قواته، ومراعاةً لانسيابية عملها». أصرّ عبد المهدي على «دمج جميع فصائل الحشد ضمن المؤسسة الأمنية، وبإمرة القائد العام للقوات المسلحة، على أن يكون مسؤولها رئيس الهيئة، المعيّن من القائد العام»، إضافةً إلى «التخلي عن جميع المسميات التي عملت بها الفصائل في معارك التحرير، واستبدال تسمياتٍ عسكرية (فرقة/ لواء/ فوج...) بها، على أن يحمل المنتسبون رتباً عسكرية وفق المعمول به في القوات المسلحة». كذلك، تقطع هذه الوحدات (أفراداً وتشكيلات) أي ارتباط سياسي أو «آمري» مع التنظيمات السابقة، فـ«تُغلق جميع المقارّ التي تحمل اسم فصيل من فصائل الحشد داخل المدن وخارجها». أما الفصائل التي «لا تلتحق بالقوات المسلحة... فتتحول إلى تنظيمات سياسية خاضعة لقانون الأحزاب، ويمنع أن تحمل السلاح إلّا بإجازة لمقتضيات حماية مقارّها المدنية».

 

ودعا في أمره إلى غلق جميع المكاتب الاقتصادية أو السيطرات أو الوجود أو المصالح المؤسسة خارج الإطار الجديد للحشد»، على أن يُصدر لاحقاً أمرٌ خاص بـهيكلة الحشد وتشكيلاته».