زينب فخري ليس بغريبٍ أن تكون أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي، الفيسبوك تحديداً، أفقاً جاذباً لأقلام إعلاميين وباعثاً للعصف الذهني؛ لظواهر تعجّ بها هذه المنصات، كاشفة عن سلوك جمعي بحاجة للتأمل والدراسة. ولعلَّ الأسماء المتداولة من الفيسبوكيين، واحدة من هذه الآفاق المستهدفة من قلمٍ متابع أو مدقق بطلبات صداقة تمطر بها سماء صفحة امرأة، كنعمة ونقمة في آن واحد. فالأسماء تعطي انطباعاً أولياً عن الشخصية وربما عن اهتماماته وسلوكه، وجاء في الأثر الحثّ على حُسن اختيار الأسماء؛ وقد نجد مَنْ هو غير راضٍ عن اسمه، وكان يمني النفس بحمل آخر! ولهم العذر! لكن ما بالُ الفيسبوكيين اليوم، وبالتأكيد لا أقصد أولئك الذين تزين أسماؤهم وصورهم الحقيقية صفحاتهم كجزءٍ من هويتهم الواقعية بل استهدف تلكم المتخفين بأسماء غير أسمائهم، بكنية أو غيرها؟! فممَّا لا شكّ فيه أن منصة الفيسبوك تضجّ بالأسماء المستعارة، وقد نجد العذر للفتيات، لكن العتب كلّ العتب على الرجال المتسترين وراء أسماء ليست لهم، فضلاً عن صورٍ لا تمت لهم بصلة! والأنكى من ذلك، يقع اختيارهم على أسماء مستعارة بطريقة عشوائية، لا ذوق فيها ولا جمال وأحياناً تثير السخرية والتندر بل التساؤل والحيرة. والأدهى قد يستعين هؤلاء ببعض المواقع والمدونات لتقترح لهم أسماء وهمية ! ومن هذه الأسماء على سبيل المثال لا الحصر: "الدنيا غدارة"، "حرامات الوفا بيهم"، "الله ينتقم منك"، "جروح قلبي برقبتك"، "سنين الجراح"، "جروح لا تنسى الظالم"! ويبدو أن هؤلاء – الأرجح من الفتية- كانوا عرضة لأزمات عاطفية، ويحاولون إثارة العواطف واستمالة الآخرين، فهم بالمعنى الدارج "مضروبين بوري"، ويتناسون أنَّ الحياة فيها الغث والسمين، والصالح والطالح؛ ومراحلها لا تعدّ ولا تحصى كالمواسم وفصول السنة، لذا يرفض غالباً طالبات هؤلاء؛ "لأن الذي فينا مكفينا"! وهناك أسماء فيسبوكية توحي بالفخر، بالنسب إلى البلد أو العشيرة أو غيره، مثل: "عراقي وافتخر" أو "عشيرتي فخر"، "العراقي العراقي"، "الأسطورة"، "الملك"، "فخامة ملك، "الأمير"، "اني وبس"! وفات هؤلاء ربّما أن الجميع ينتسب لوطن وله قبيلة، ومن باب أولى أن نقوم بما يجعل الوطن والعشيرة يفتخران بنا وبأسمائنا الحقيقية لا غير! كما يجد محبو الكائنات الحيوانية في منصة الفيسبوك فسحة لتقمص الحيوانات، كـ"النمر المتوحش"، "الدب القاتل"، وفي الغالب لا تُقبل صداقة هذا "المتوحش والقاتل"؛ لأنَّ قائمة الأصدقاء يتوافر فيها أيضاً حيوانات وديعة كـ "الحمامة البيضاء"، و"حمامة السلام"، "وطيور الحب". وبالطبع تحتوي المنصة على أسماء مستفزة، مثل: "مخبلة وبكيفي"، السؤال المتبادر للذهن: هناك أصدقاء من صنف "العقلاء جداً" ومن العقول الحصيفة ويبدر منهم ما يبدر في حالاتٍ، فكيف بـ "مخبلة وبكيفي"؟!.. وقد تقبل صداقتها من باب "خذ الحكمة من أفواه المجانين"! أما الفيسبوكيون من أمثال: "عاشق وأظل عاشق"، "أحبها غصبن ما عليكم"، "انطي بنفسي وما انطي بي"، "ملكك أني"!.. فيا أيّها الفيسبوكي الكريم: ما شأننا بمن تحبّ؟! اعشق مَنْ شئت.. وكيفما شئت.. لكن ابتعد عن الفتيات في لائحة الأصدقاء واكتفِ بمن تحبّ ودع "الزحف"! وهناك أسماء يفوح منها النصح والوعظ، منها: "ما أجمل الحياة"، "اللي مو كد الوفة لا يواعد الناس"، " الرجولة كلمة"! ولا يسعنا إلا أن نشكر هؤلاء الفيسبوكيين على نصائحهم القيمة، ويبدو أن هذه المواعظ هي كلّ ما جنوه في معترك الحياة المتسع بالمحطات، لكن الموافقة على طلب صداقتهم أمر مستحيل؛ طمعاً بالحصول على مواعظ بحروفٍ أكثر جمالاً وجزالة وعمقاً وتأملاً! ولا ننسَ المعجبين بالشخصيات التاريخية والرموز الدينية والوطنية، مثل: "نابليون"، "هتلر"، "حمورابي"، "كلكامش".. وفي الوهلة الأولى ستغمر هذه الأسماء قلوباً بالبهجة أملاً في الاستزادة التاريخية والمعرفية من سِير هؤلاء الأعلام لكن الخيبة ستضربها بقوة حالما يقع البصر على صفحاتهم التي هي ليست سوى "صباح الخير"، "مساء الخير"، "جمعة مباركة"! ولا يفوتنا أن نعرج على الأسماء الاستجدائية: مثلاً "أمير بلا امارة"، "ملك بلا مملكة"، ولا علم عندي هل يحتاج هؤلاء إمارة أو مملكة أو ضيعات توزع عليهم رأفة بهم؟!! ويحتضن بحر الفيسبوك المتلاطم الأمواج أسماءً مثيرة للحيرة في جنس صاحبها، لاسيما تلك الجغرافية مثل: "شاطئ المحبة"، "بحر عميق"، "جبل شامخ"، "نهر السعادة"، "بلا شاطئ"! وممَّا لا يخفى على أحد أهمية الاسم الحقيقي وصورته على "البروفايل"، فلماذا التخفي وراء اسم وصورة مستعارين؟! فالحاجة ضرورية لبيان الاسم الحقيقي للمقابل الراغب بمعرفة مع مَنْ يتحدث ويشاركه مواضيعه؟! إنَّ استعمال الاسم الحقيقي يدل دلالة واضحة على الاعتداد بالنفس والثقة بالذات، بل أنه يشيع الثقة لدى المقابل من انّ هذا الصديق ذات واقعية، له شخصية واهتمام وثقافة؛ وحتماً سيبعد الظنون من أنَّه (هكز) أو من الجيوش الالكترونية التي تحتجب خلف أسماء مستعارة لمآرب في نفوسهم. فاللجوء الى أسماء الحقيقة أولى وأجدى وأليق في الصداقات.. وإن كانت هي في عالم افتراضي إلا أنه لا يسوغ الاحتكام لأسماء وهمية، مزيفة توفر الشاشة لها الحماية!