كتب / د. كمال حسين العبيدي … التقاعد في العراق مذلة ، وهذه ليست فكرة جديدة لأنها كانت ولا تزال كذلك منذ عرفنا معنى التقاعد ، وقد قلنا إنها مذلة لان قوانين التقاعد العراقية ومنها القانون الحالي رقم 9 لسنة 2014 يهتم بجانب واحد من الموظف وهو تحديد ما يتقاضاه بعد الإحالة إلى التقاعد من الراتب بموجب معيار الرواتب الأخيرة وعدد السنين والشهادة التي يحملها المتقاعدون ، بمعنى أن لا حقوق للمتقاعد سوى الراتب التقاعدي حتى وان كان مقدار خدمته الوظيفية 50 عام ، إذ لا توجد بدلات للسكن لمن لا يملكه أو خدمات للرعاية الاجتماعية أو الخدمات الصحية أو الجوانب الترفيهية والأساسية ، فالسنوات التي قضاها الموظف في خدمته الوظيفية والجهود التي بذلها والتضحيات التي قدمها والمنفعة التي أحدثها والأجيال التي علمها تذهب في إدراج الرياح ، لتتحول إلى كومة من الأوراق في اضبارته الشخصية ثم تذهب مع النفايات عندما يحين الموعد المحدد لإتلاف تلك الأوراق ، ووجه القساوة الآخر من الموضوع إن الموظف عندما يحال إلى التقاعد لأسباب مرضية أو لبلوغه السن القانونية أو بناءا على طلبه أو لأي سبب آخر بموجب القوانين ، يحال إلى دائرة التقاعد في محافظته لانجاز المعاملة التقاعدية وهؤلاء لا يعرفون شيئا عن المحال إلى التقاعد غير السطور المدرجة في سجل الخدمة الذي يتضمن مجموعة من الفراغات يتم إملائها بالكتابة اليدوية أو ترسل من خلال الانترنيت ، ويتم التعامل مع كل ما ورد من دائرته كبيانات ومعلومات تتحول فيما بعد إلى أرقام وبذلك يشعر بعض المحالين إلى التقاعد بشعور غريب وكأنهم ( نكرات ) لان جميع العلاقات والصلات الرسمية ستنقطع وتبقى العلاقة الوحيدة وهو الراتب التقاعدي ، الذي تحول إلى علاقة جامدة لأنه يتم من خلال الكي كارد أو الماستر كارد لدرجة إن المتقاعد لا يعرف شيئا عن راتبه التقاعدي لأنه يبصم فينظر في الماكينة الرقم الذي يستلمه من ( الكاشير ) أو ماكنة الدفع الالكتروني . وهذه المقدمة المطولة والتي قد تكون مملة للبعض غرضها الإثبات بان المتقاعد ليست له آية صلات عاطفية سوى العلاقة المادية مع دائرة أو هيئة التقاعد الوطنية وتتعلق بما سيدفعون له لإدخال بعض الدنانير في جيوبه ، ورغم ( قدسية ) هذه العلاقة لأنها الوحيدة الباقية بعد سنين خدمته إلا إنها غالبا ما تشوبها بعض ما يخدشها ويسيء إليها بطريقة مصطنعة أو عفوية ، فالراتب التقاعدي قابلا للنقصان وليس الزيادة ومن عجائبه انه يتجاهل الحالة الإنسانية ، فالإنسان كلما يتقدم به العمر تزداد احتياجاته الطبية والاجتماعية كما انه كفرد من المجتمع يتأثر بمعدلات التضخم التي تعلنها وزارة التخطيط كل عام فتبلغ الزيادة فيها 5 – 10% أو أكثر سنويا ( إن كانت صادقة بالفعل ) وبموجب هذه الأرقام تتقلص القدرات الشرائية عاما بعد عام لتصل إلى النصف ولكن الراتب التقاعدي صامدا كصمود الإبطال ، وفي ذلك مخالفة لأحكام قانون التقاعد النافذ حيث نصت المادة 36 منه على ( أولا – تزاد بقرار من مجلس الوزراء الرواتب التقاعدية كلما زادت نسبة التضخم السنوي على أن لا تكون الزيادة أكثر من نسبة التضخم ) ، وعند منح زيادات في الرواتب أو المخصصات في رواتب أقرانه المستمرين في الخدمة فان المتقاعد بمعزل عن تلك الزيادات ، وكما هو معلوم فان اغلب المتقاعدين غير قادرين على العمل بعد التقاعد لسببين على الأقل أولهما القدرات البدنية والعقلية وثانيها إنهم لا يستطيعون منافسة الشباب لان الشباب ليست لديهم فرص للأعمال في الأساس ، وبدلا من تطوير قانون التقاعد الحالي لإضافة أدوارا اجتماعية وإنسانية ومادية لهيئة التقاعد الوطنية باعتبارها الجهة ذات الاختصاص بالمتقاعدين وليس رواتبهم فحسب ، فإنها تشغل اهتماماتها بأمور تضر المتقاعدين ولا تنفعهم وسنذكر بعض الأمثلة عن ذلك على سبيل المثال : . قامت هيئة التقاعد الوطنية بتعديل رواتب المتقاعدين عندما اصدر رئيس الوزراء السابق السيد حيدر العبادي قرارا بتغيير سلم الرواتب الملحق بالقانون 22 لسنة 2008 مما انقص رواتب بعض المتقاعدين وكان من واجب هيئة التقاعد أن تعمل بالجانب المتعلق بالزيادة وتطالب بعدم إنقاص الراتب لأي سبب كان ، لان المتقاعد ليست له وسيلة لتعويض انخفاض الراتب التقاعدي للسببين المذكورين في أعلاه وهذه الملاحظة يجب الأخذ بها في الحالات القادمة . . تعتقد هيئة التقاعد الوطنية بأنها حققت انجازا تاريخيا بتحويل دفع الرواتب من مرة كل شهرين إلى توزيع الراتب شهريا اعتبارا من حزيران الماضي دون أن تستفتي آراء المتقاعدين ومدى قبولهم او عدم قبولهم بهذا التغيير، وعندما دارت نقاشات حول مصير راتب شهر مايس الماضي للمتقاعدين المدنيين وتداولتها الصحافة المحلية وصف السيد رئيس الهيئة إن هذا الموضوع تروج له ( الصحافة الصفراء ) ، رغم إن دفاعاته التي وصلت إلى حد الرهان كانت من خلال اللقاءات الصحفية . . إن من يقول انه كفوء وقادر على دفع رواتب المتقاعدين بكل أصنافهم شهريا ( المدني ، العسكري ، عوائل الشهداء وغيرهم ) عليه أن يثبت ذلك من خلال دفع الرواتب من بداية الشهر وليس بعد مرور أربعة أو خمسة أيام من بداية الشهر بحيث يتكدس المتقاعدون في المصارف لاستلام راتبهم او يتم ابتزازهم في مكاتب الصرف دون رادع ورقيب . . لم تجيب هيئة التقاعد عن أسباب التباين في رواتب المتقاعدين بالزيادة أو النقصان من شهر لشهر رغم إنهم ليست لهم علاوات أو ترفيعات أو استحقاقات أضافية ، لان الراتب يصل لمراكز الدفع إجماليا دون أية تفاصيل ، وحين مراجعة مقر الهيئة في علوة اسماك الشواكة يقولون راجع 36 وما إدراك ما 36 فهي بناية لا تصلح لغير البشر قط . . اعتادت هيئة التقاعد الوطنية أن تصدر إعلانا على موقعها الرسمي في Face book ويتضمن هذا الإعلان موعد إطلاق الرواتب للمتقاعدين ، ولكن الملاحظ إن الإعلان غالبا ما يصدر بعد الساعة 12 ظهرا ويكون في يوم الخميس او قبل العطل الرسمية مما يعني اضطرار العديد من المتقاعدين لاستلام رواتبهم من خارج المصارف لكي تفرض مراكز الدفع شروطها فتتقاضى الكثير منها مبلغ 3000 دينار عن كل مليون دينار أو أجزاءه لان المصارف تغلق في ظهر الخميس والجمعة والسبت وفي أيام العطل والمناسبات . . كإثبات للفقرة السابقة فقد دعت الهيئة لاستلام الرواتب من مراكز الدفع عصر الخميس في الأول من الشهر الحالي ومراجعة المصارف للاستلام اعتبارا من يوم الأحد 4 / 8 / 2019 ، رغم إن الشهر الحالي يقع فيه عيد الأضحى المبارك وقد تستغرق عطلته 5 ايام أسبوع وفي ذلك ضغط على المصارف الحكومية وسيشهد الشهر الحالي 15 يوما لاستلام المتقاعدين من المصارف لان الأيام الباقية هي تأخير وعطل رسمية ، مما سيضطر اغلب المتقاعدين للاستلام من مراكز الدفع التي تخلو من الرقابة على جميع فعالياتها وتبتز المتقاعدين ، ونرجوا أن لا يكون التبرير هو إمكانية تدوير الراتب للشهر التالي لان معظم المتقاعدين ينتظرون بداية الشهر أكثر من اهتمامهم بظهور هلال الشهر العربي خصوصا لأصحاب ال400 ألف دينار شهريا او اقل ، واليكم تفاصيل الأيام ال16 من الشهر الحالي التي سوف لا يتم فيها دفع رواتب ملايين المتقاعدين من المصارف لأن المصارف تتوقف عن الصرف خلال تلك الأيام : يوم 1 آب عدم إطلاق توزيع الرواتب الأيام 2 و9 و16 و23 و30 آب عطلة الجمعة الأيام 3 و10 و17 و24 و31 آب عطلة السبت الأيام 11 و12 و13 و14 و15 آب عطلة العيد المجموع : 16 يوم . اعتمدت هيئة التقاعد الكي كارد لدفع رواتب المتقاعدين وقد اشترك جميع المتقاعدين بهذه الخدمة ودفعوا مبلغ 10000 دينار عن كل كارد إلى جانب العمولات التي لم يعرف مقدارها ، وقد بدأ الآن الترويج لبطاقات الماستر كارد لمصرفي الرافدين والرشيد وقالت الهيئة إن الانتقاء اختياري ولكننا متأكدون انه سيكون إجباري بعد أشهر قليلة فأين ستذهب بطاقات الكي كارد وهل سيقوم المتقاعد بالدفع مرة أخرى؟؟ . وما ذكرناه يشكل بعضا من الجزء الظاهر من هموم المتقاعدين وهذا الجزء مثل جبل الجليد الطافي في البحر الذي تكلم عنه ( فرويد ) لان ما خفي أعظم ، ولعل المظاهرات المقبلة للمتقاعدين ستكشف الشيء الكثير ، وهم يشكلون شريحة لا يستهان بها لان عددهم حاليا تجاوز 3,5 مليون ( كما يقولون ) من العسكريين والمدنيين وعوائل الشهداء والجرحى وغيرهم ، والعبرة ليس بعددهم فحسب وإنما بأفضالهم على البلاد فهم من بنوا الصروح وخدموا الشعب منذ ريعان عمرهم حتى شاب الرأس وبعضهم قدموا أبنائهم وفلذات أكبادهم قرابين لحماية وكرامة العراق .