كتب / د.باسل عباس خضير.. الخير والشر يلازمان كل البشر بلا استثناء ولكن أخلاق الناس تقاس بمقدار ما يظهره او يضمره من الخير او الشر ، والإنسان العاقل والمؤمن بما يؤمن به من معتقدات يحاول أن يكون إلى جانب الخير وضد الشر وهناك آخرون بعكس هذه القاعدة بالضبط ، والفساد الإداري والمالي باعتباره احد أشكال الشر موجود في كل الدول ويتباين بين هذا البلد او ذاك ، ولان هناك معايير لقياس درجة الفساد الذي يمارس وان هناك منظمات دولية تضع تصنيفات للدول حسب درجة الفساد ، فان الدول التي تحترم سيادتها وشعبها وتحرص على سمعتها تضع إجراءات وقائية وعلاجية للفساد لا بهدف القضاء عليه نهائيا لأنه يتعلق بالنفس البشرية الأمارة بالسوء ، بل للتقليل منه ومن آثاره السلبية فتلك الدول تعرف إن الفساد طاردا لرؤوس الأموال النظيفة والاستثمارات ومصادر والسياحة وهناك وسائل عديدة ومألوفة لتقليل الفساد كزيادة التعامل الالكتروني وفرض الرقابة وجعل الفساد منبوذا لأكثر الناس ، وفي بلدنا بات الفساد يتوالد ويبيض ويفقس وفقا لأهواء الفاسدين لدرجة إن دوائر الدولة تعج بالفاسدين والمفسدين وتحول البعض إلى فاسدين رسميين من خلال ممارسة الدلالية والتعقيب تحت عباءة الوكالات الخاصة او العامة ، وتحول الفساد إلى مهنة للبعض لأنها تدر أموالا طائلة او مجزية من غير تكاليف عدا ما يتعلق بمحاسبة الله التي يضعها البعض خارج ظهورهم او يفتون لأنفسهم لشرعنه او تبرير ما يمارسونه من فساد . والرشوة باعتبارها إحدى أنواع الفساد ، باتت تنتشر في الدوائر الحكومية لحد القرف لاسيما تلك التي لها علاقة وتماس مع الجمهور ، وللرشوة أسماء مصطنعة اشتقها الفاسدون لتبرير عملهم غير القانوني فمنهم من يسميها إكرامية او هدية او بدل المجازفة عن خرق اللوائح والقوانين ، والشيء المخزي للرشوة إنها تمارس بالإكراه إذ يتعمد الفاسدون بعرقلة المعاملة او طلب وثائق غير ضرورية او إضافة مراحل للمعاملة مثل صحة الصدور او جلب تاييدات ومستمسكات تعجيزية كطلب ما يؤيد الاسم الرباعي او تثبيت اللقب او كتاب تأييد من الضريبة او صورة قيد او مصادقة التنمية او جهة التصدير او الاستيراد رغم إن المعاملة تتعلق ببيع او شراء قطعة ارض او عقار ولا علاقة بها بكل ما يطلبوه ، فمن الغريب جدا أن تمر المعاملة بمراحل تستغرق اشهر وربما سنوات ثم يطالبونك بتجديدها وإعادة إجراءاتها مرة أخرى لانتهاء أمدها الزمني رغم إنها محفوظة في الأدراج ، ومن المخزي حقا أن يبتز شعبنا من قبل موظفين حكوميين يتقاضون رواتب ومخصصات وقد شغلوا درجات وظيفية بطريقة او بأخرى واخذوا فرص أكثر من مليون عاطل عن العمل من حملة الشهادات الجامعية والعليا ، كما إن من المعيب فعلا أن تمتد عدوى تعاطي الرشاوى لتشمل موظفين حديثي التعيين ولم تتجاوز خدمات بعضهم فترة تفقيس البيضة ، فالمرتشين يتكاثرون كالصراصير التي تعيش في الحمامات ودورات المياه ( أجلكم الله ) والمراجعين يضطرون للركض ورائهم لانجاز معاملاتهم وينادون من لا يستحق أن يكون موظفا بعبارة ( أستاذ ) وهو في الحقيقة مرتشي ( حقير) لا يمتلك أدنى درجة من الاحترام لنفسه قبل كل شيء . وينتشر المرتشون اليوم في الكثير من الدوائر والوزارات وبشكل خاص تلك التي لها علاقة بالحياة اليومية للناس كالمصارف والمرور ومراكز الشرطة والضريبة والتسجيل العقاري ودوائر البلدية وغيرها من المؤسسات ، وتتباين درجة وشدة انتشار الفساد تبعا للأسلوب الرقابي الذي يفرضه المدراء ، فالنزيه لا يسمح بانتشاره و المحترمون يضعون عيون على الفاسدين ويقومون بلومهم وتوجيههم وقد يصل الأمر إلى العقوبة او النقل ولا يعني ذلك خلو الدائرة من الفساد مهما بلغت درجات الرقابة ، لان حاضنة الفساد هي المرونة المتروكة للموظف في التعامل مع المراجعين فإذا كانت المعاملات نمطية وتنجز الكترونيا تقل حالات الفساد أما إذا ترك المواطن تحت رحمة الموظف فنتوقع فساد كبير ، وأكثر المنظمات فسادا هي تلك التي يكون مديرها جبانا وهو يتعاطى الفساد او يتحاصص مردوداته مع الموظفين وبعضهم يضطرون لولوج الفساد لأنهم اشتروا وظائفهم او يدفعون ( المالات ) بشكل شهري او أسبوعي او حسب الاتفاق ، وهؤلاء يكثرون من تعاطيهم للرشاوى كونهم يشعرون بأنهم محميين باعتباره يمول مملكته الفاسدة وقد ارتضى لنفسه أن يتحول من إنسان ( ذكر او أنثى ) إلى جبان ينفذ ما يطلب منه ويعجز أحيانا عن محاسبة حاشيته او معيته لأنهم معه شركاء ، ومن المؤسف إننا أصبحنا جميعا نتحدث عن الفساد وكأنه حالة اعتيادية في حين انه لايتلاءم مع المنظومة القيمية والدينية وتدخل في خانة مخالفة التشريعات ، لان قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 قد خص فصلا كاملا لجرائم الفساد وحسب النصوص أدناه : الباب السادس: الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة / الفصل الأول : الرشوة المادة 307 : 1 – كل موظف او مكلف بخدمة عامة طلب او قبل لنفسه او لغيره عطية او منفعة او ميزة او وعد ا بشيء من ذلك لأداء عمل من أعمال وظيفته او الامتناع عنه او الإخلال بواجبات الوظيفة يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على عشر سنين او بالحبس والغرامة على أن لا تقل عما طلب او أعطي او وعد به . 2 – وتكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على سبع سنوات او بالحبس إذا حصل الطلب او القبول او الأخذ بعد أداء العمل او الامتناع عنه او بعد الإخلال بواجبات الوظيفة بقصد المكافأة على ما وقع من ذلك. المادة 308 : كل موظف او مكلف بخدمة عامة طلب او قبل لنفسه او لغيره عطية او منفعة او وعدا بشيء من ذلك لأداء العمل او الامتناع عن عمل لا يدخل في أعمال وظيفته ولكنه زعم ذلك او اعتقده خطأ يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات او الحبس والغرامة على أن لا تقل عما طلب او أعطي او وعد به. المادة 309 :تسري أحكام المادتين السابقتين ولو كان الموظف او المكلف بخدمة عامة يقصد عدم القيام بالعمل او الامتناع عنه وعدم الإخلال بواجبات وظيفته. المادة 310 : كل من أعطى او قدم او عرض او وعد بأن يعطي لموظف او مكلف بخدمة عامة شيئا مما نص عليه في المادة (308) عد راشيا. ويعاقب الراشي والوسيط بالعقوبة المقررة قانونا للراشي . المادة 311 : يعفى الراشي او الوسيط من العقوبة إذا بادر بإبلاغ السلطات القضائية او الإدارية بالجريمة او اعترف بها قبل اتصال المحكمة بالدعوى. ويعتبر عذرا مخففا إذا وقع الإبلاغ او الاعتراف بعد اتصال المحكمة بالدعوى وقبل انتهاء المحاكمة فيها. المادة 312 : يعاقب بالحبس : 1 – كل من طلب او اخذ عطية او منفعة او ميزة يزعم إنها رشوة لموظف او مكلف بخدمة عامة وهو ينوي الاحتفاظ بها لنفسه. 2 – كل شخص اخذ العطية او المنفعة او الميزة او قبل شيئا من ذلك مع علمه بسببه ولو لم يكن الموظف او المكلف بالخدمة العامة المقصود بالرشوة قد عينه او قد علم به ما لم يكن وسيطا في الرشوة. والفساد بجميع أشكاله وصوره ومن ضمنها الرشوة ليست عصية عن الحلول والقانون المشار إليه في أعلاه وضع لها إجراءات رادعة ولكنها لم يطبق على مخالفاتها بالقانون لأنه يتم التستر عليها من باب( الطمطمة ) ورد الجميل ،ولا حلول إذا لم تجتمع الإرادة على المعالجة الفعلية ، فالرشوة موجودة ومنتشرة في كل مكان والكثير من المواطنين يضطرون إلى دفعها او أنهم يشعرون بالسعادة عند إفلاتهم من الدفع ، واغلب من لا يدفعون تتأخر او تهمل معاملاتهم عن قصد ، والأغرب من ذلك إن بعض الموظفين من ضعاف النفوس يعقدون اتفاقات مع موظفين آخرين لتمرير المواطن بحلقة طولها أسبوع مثلا لغرض إجبار المراجع للبحث عن الذي يدفع له لكي تمشي معاملته ، ويلعب الدلالون والمعقبون دورا في إنعاش الفساد لأنهم من متعاطي الرشاوى ويوهمون موكليهم إن المعاملات لا يمكن انجاز مراحلها إلا من خلال الدفع وبذلك ( يتخوردون برأس غيرهم ) او إنهم يتقاضون مقدار من المال ولا يدفعون سوى نصفه او ربعه ، والمشكلة الأعقد في الرشوة إنها تتحول بسهولة إلى إدمان ففي البداية يتم رفض ما يعرض على البعض وبعد الاستلام لمرة او لمرتين يبدءون البحث عن الرشوة وليس التوسل لقبولها ، ومن المتوقع أن تزداد حالات الفساد يوما بعد يوم مادامت المعالجات هي عبارة عن شعارات ومواضيع في المؤتمرات الصحفية والرسمية ، فعدم المعالجة تعطي الانطباع للمواطن إن الأمور لا تنجز من غير رشاوى ، ويعني ذلك من الناحية العملية إننا تكلمنا عن الفساد ولم نعاجه فعلا فكأننا نروج له ونتحول إلى معلنين عنه كتجارة ( ملعونة ) مربحة بالمجان ولعنة الله على الرشاوى ومرتكبيها بأي شكل او مسمى او عنوان .