أي مجتمع في العالم – حزمة أقلام ملونة ، كل لون يكمل الاخر، وتعطي مجموعها تشكيلة رائعة ، وإنسجاما جميلا ، وتناسقا بديعا.. ولولا هذه التعددية في الالوان ما كان لنا أن نتمتع بلوحة فنية جميلة ، أو لوحة طبيعية خلابة ، ويكون اللون الواحد هو السائد ، وهو ما يخالف قوانين السماء ، ونواميس الطبيعة التي تضبط حركة الاشياء والظواهر … وكل شيء عنده – سبحانه وتعالى – بمقدار … فالله جل وعلا جعل الفصول أربعة ، وليس فصلا واحدا ، ولم يطغ فصل على أخر ، بل هي دورة كاملة على مدار السنة في نظام كوني أزلي بديع .. وجعل الله البشرية شعوبا وقبائل وليس شعبا واحدا .. وخلق اليابسة بهذا التنوع في التضاريس ، والماء باشكاله المعروفة ، وخلق السماوات بطبقاتها السبع ، وبهذه الافلاك وما فيها من كواكب ونجوم واقمار ومجرات .. ولم يخلق الله ذلك التنوع والتعدد عبثا ، بل كل شيء له قانونه وهدفه وغايته .. فلماذا يحاول البعض الاستئثاربكل شيء ، وكأن الله لم يخلق غيره ..؟ مثل هذا التصور خطير ، وتترتب عليه أمور أخطر .. وأخطاء السياسة باهظة ، تطال كل شيء ، بما في ذلك الطبيعة ، وتشويه هذا التجانس الانساني والطبيعي الجميل ، فتدمر الارض وما عليها بحروبها العبثية وافكارها غير الواقعية ودعواها بانها الافضل ، وما على الاخرين غير اتباعها و(الأخذ بنموذجها) وفرضه حتى وإن كان عن طريق القوة ، والحرب أحد أوجهها .. وفي الحروب تطغى نزعة الشر والروح البدائية على حساب المبادىء الانسانية .. فالحرب هي (الشكل الجماعي المادي الملموس للموت اذ انها تفتح ابواب الجحيم على الارض) على حد تعبير رينولد ريبور .. ويرجع فولبرايت سباب الحروب ، بما في ذلك ما أسماها بالحروب التاريخية الكبرى الى عوامل ترتبط بالنفس البشرية (ولم تكن الاسباب التي إرتبطت بها مثل النزاع حول الارض والاسواق والموارد والدفاع عن مبادىء عظيمة ، أو الحفاظ عليها غير تفسيرات أو تبريرات لدوافع مفهومة للطبيعة البشرية التي يبدو أنها لم تتخل عن وحشيتها البدائية في العصور السحيقة) وينتج عن تلك الحالة ما يمكن أن نسميه بعجرفة القوة البشرية ، بضمنها القوة العسكرية التي تمكن من يمتلكها ، أو ينفرد بها أن يدعي بأنه هو الافضل على المستوى الانساني والحضاري وفي إدارة الدولة والمؤسسات والديمقراطية وحقوق الانسان في مفارقة غريبة أن يجتمع النقضيان الديمقراطية والقوة الغاشمة … ولذلك يشكك فولبرايت في أن يكون الامريكيون مؤهلين للتبشير بالديمقراطية ، وهم الذين تصطبغ افكارهم وسلوكهم بكل مظاهر العجرفة والغطرسة ، ويدلل على ذلك أن البلدان التي وقعت تحت وصاية الولايات المتحدة الامريكية في مجال الديمقراطية لم تصبح ديمقراطية على حد تعبيره .. ودوام الحال من المحال .. والغطرسة لن تدوم ، ولن تصنع انتصارات دائمة ، بل وقتية ، وإن استمرت زمنا ليس بالقصير .. فمن يفكر باستخدام القوة الغاشمة عليه أن يتعظ ، ويقرأ التاريخ جيدا ليعرف حال الامبراطوريات التي سبقته ، وكيف انتهت ، وتلك سنة كونية .. واحدة تسقط ، واخرى تنهض ، وهكذا .. فهل يتوقع أحد ممن عاصر الامبراطورية الرومانية وهي القوة الاكبر في عصرها ، وبذلك العمق التاريخي الذي إمتد قرابة 500 عام أن تسقط ذلك السقوط المريع .. كان سقوطها حتميا أمام زحف البرابرة من آسيا الوسطى بقيادة اتيلا الملقب بالجبار ، وهي بتلك القوة وذلك الامتداد الكبير والسيطرة على مناطق كثيرة من العالم .. أسباب عديدة للسقوط لا مجال لذكرها الان ، بل هي مجرد اشارة لتأكيد تلك الحتمية التاريخية .. أخطاء السياسة مدمرة تنهي امبراطوريات كبيرة ، وتتعدى في تأثيرها الى قتل الروح الوطنية لدى البعض ، وقد تؤثر على علاقة المواطن بوطنه وتصرفه عن الاهتمام بالشأن العام ، عندما يرى من يعنيه الامر لا يهتم بهذا الشأن ، ولا يعمل بالمبادىء التي يدعي الايمان بها وينصرف لتحقيق منافع شخصية ، ويكثر الكلام عن شيء دون أن تجد له صدى في الواقع ، ويتخذ من السياسة وسيلة للاثراء غير المشروع ، ويساعد في تفشي نزعة الفساد على حساب المواطن .. وعزا المؤرخ أدوراد جيبون إنهيار الامبراطورية الرومانية الى ما اسماه ( بتبلد الشعور بالصالح العام لدى المواطنين).. وتلك حالة خطيرة اذا ما سادت في أي مجتمع مهما بلغت قوته وامكاناته .. ويعرف السياسي أنه بدخوله ميدان السياسة أنه ليس تجارة بقدر ما هو عمل وتضحية .. فاذا ما إستلطف السلطة وإستهواه المال وإستغرق في الامتيازات يكون قد خرج من هذا الميدان .. وهناك مبدأ يكاد يكون قاعدة في السياسة وهو إنه إذا ما إغتنى سياسي فاعلم أنه فاسد .. هكذا يرى هاري ترومان (انه لا يمكنك أن تغتني عن طريق السياسة ، إلا إذا كنت فاسدا) …. وطرق الفساد في الحكم سهلة جدا ..فإذا أردت أن تفسد سياسيا فما عليك الا ان تغدق عليه بالمال .. كما هو حال الـــثوري كذلك في نظرالزعيم الفيتــــنامي هوشي منه .. وتلك قاعدة عامة في الثورات والحكم ايضا .. وأخطر ما الفساد أنه عندما تتسع دائرته يصبح تأثيره على المواطن مركبا ، في إعاقة أي تنمية اقتصادية أو خدمية أو اجتماعية يمكن أن يستفيد منها ، وفي علاقة المواطن بالوطن وحبه له ، فيضطر تحت تأثير هذا العامل المركب الى مغادرة الوطن ، والبحث عن أخر يشارك وطنه الاصلي في الولاء او يتقدم عليه وبالتالي افراغ البلاد من الكفاءات ، اضافة الى خلق حالة من العزلة بين المواطن والدولة ، وعدم أهتمامه بالشأن العام واللامبالاة وعدم الاكتراث بما يحصل في البلاد من تراجع ، بعد اليأس من حصول تغيير ملموس في تصرفات المسؤولين .. وبمرور الزمن يصبح هذا السلوك الغريب شيئا طبيعيا ، وبالنتيجة يزداد الفساد أكثر ويصبح ثقافة عامة . تلك حقيقة ماثلة للعيان وإن أغمضت بعض العيون عنها ..