كتب/ د. كمال حسين العبيدي .. يقولون إن العاشق مجنون ولأنه كذلك فانه لا يحسن في التعبير عن حبه للمعشوق ففي أحيان ( يلح ) أكثر من المعتاد ويتنازل عن حجمه تحت مسوغ ( الحب ) ، ويبدو إن مثل هذا الوصف ينطبق على العشق الأمريكي المزعوم للعراق ، فأمريكا تعلم علم اليقين إنها ( غير مرغوبة ) من اغلب العراقيين بدليل إن جيشها الجرار تعرض لمقاومة شريفة شديدة بعد أسابيع قليلة من احتلالهم للعراق مما اضطرهم لسحب قواتهم خلسة وبتمويه فبرروا هزيمتهم بإبرام اتفاقية الإطار الاستراتيجي التي هي كذبة لحفظ ماء الوجه ، فلو كانت اتفاقية بالمعنى الصحيح لما تنصلوا منها واستخدموها كورقة للتدخل في الشؤون العراقية مرة تحت عنوان الاستشارة ومرة بعنوان التدريب ومرة بعنوان محاربة داعش ومرة تحت عنوان حماية العملية الديمقراطية وغيرها من العناوين المخادعة التي لم تنطلي على غالبية شعبنا الرافضين للوجود الأمريكي في العراق بأي شكل من الأشكال ، والعراقيون بطبعهم المحب للآخرين لا يكرهون أمريكا لأنها أمريكا او يضمرون الكره للشعب الأمريكي ولكنهم يرفضون الظلم والتلاعب بشؤونهم ونهب ثرواتهم واستخدامهم كورقة لتحقيق المصالح والغايات الدنيئة والشريرة ، والإدارات الأمريكية السابقة والحالية لم تقدم شيئا ايجابيا حقيقيا للعراق وإذا اعتقد البعض إن لهم الفضل في إسقاط النظام البائد فانه لم يكون لأجل عيون العراقيين وإنما لتحقيق مصالحهم ومصالح حلفائهم الدائمين ، وان كان في ذلك فضلا ( عرضيا ) فإنها لم تكن خدمة مجانية إذ قابلتها حالات للفوضى والتخريب والدمار وهدرا في الأرواح وإفساد نفوس البعض وترك تبعات لا يمكن التخلص منها لسنوات او عقود ، وتدرك أمريكا إن العقلاء في حالة سعي لاستصدار قرار باسم الشعب في مجلس النواب يلزم الجهات المعنية بعدم السماح بالتواجد العسكري الأجنبي في العراق إلا لضرورات محددة بقرار يصادق عليه ممثلو الشعب بما في ذلك التغلغل الأمريكي الذي يحاول أن يبقي حالة ضبابية لا يمكن أن يدخلها النور من أي مكان ، وكرد فعل على هذه المساعي الوطنية المسؤولة والمشروعة فقد قرر البنتاغون تمديد مهمة التدريب العسكري للقوات العراقية وقوات والبيشمركة في كردستان العراق ، وذكرت وكالة باس نيوز في خبر ترجمته ونشرته وكالة ( المعلومة ) أن القنصل الأمريكي العام في اربيل ستيفن فاجن قام بنقل هذه الرسالة خلال لقائه مع وزير البشمركة شوريش إسماعيل ، حيث عقدا محادثات حول التعاون الوثيق بين قوات الجانبين في العراق ، وقال فاجن أن البنتاغون قرر الاحتفاظ بمستشاريه العسكريين في العراق وإقليم كردستان لمدة عامين آخرين لمساعدة قوات البلاد في مكافحة الإرهاب ( بحسب تعبيره ) ، وأضاف أن الولايات المتحدة ستواصل مساعدة اربيل وبغداد في حل النزاعات المتبقية . ومن المؤكد فان قرار البنتاغون يعد باطلا من جوانب عديدة ، أولها إن الولايات المتحدة الأمريكية ليست لديها وصايا على العراق لكي يتخذ البنتاغون قرارات تخص العراق من جانب واحد بمعزل عن رضا وموافقة الحكومة وبتفويض من الشعب لان حالة الاحتلال التي استصدرته بالضغط على مجلس الأمن الدولي قد انتهت مدة صلاحيته بعد هروبها من العراق ونكولها من كل الالتزامات ، وثانيها إنها تنصلت عن اتفاقياتها مع العراق بخصوص حماية العراق وتعويضه عن آثار الاحتلال إذ سمحت لعصابات داعش بالدخول إلى الأراضي العراقية وارتكاب جرائم ضد الإنسانية باحتلال الأراضي والقتل والنهب ومصادرة حقوق الإنسان وإذا ادعت أمريكا بأنها قدمت الدعم الجوي في معارك التحرير التي قام بها العراقيون فان ذلك تم من خلال تحالف دولي وليس بجهد أمريكي دون أن تنكر ما ارتكبته من أخطاء او اعتداءات أدت إلى وقوع ضحايا في الأرواح والأموال وبعض هذه الأفعال اقترنت باعتراف أمريكي لم يصاحبه اعتذار او تعويض ، وثالثها إن من الخطأ النظر للقوات المسلحة العراقية بشكل مجزأ فتصدر قرارات باسم بغداد واربيل لان العراق بلدا اتحاديا وإقليم كردستان وقوات البيشمركة جزءا لا يتجزأ من البلاد لذا فان جميع الاتفاقيات العسكرية تتم من خلال القائد العام للقوات المسلحة وعداها تعد خرقا دستوريا وغير قابل للتطبيق ، ورابعها إن العراق لا تنقصه الخبرة في مجال مكافحة الإرهاب لكي تتصدق بها أمريكا على العراق وتشهد معارك التحرير في تطهير أراضي العراق من نجاسة الدواعش على مقدار خبرته في هذا المجال ، وان أكثر ما يحتاجه العراق هو الكف عن التدخل بشؤونه وترك الفرصة لأبنائه في حماية وإعمار مدنه وقراه وعدم توفير الحماية والحصانة والذريعة للكيان الصهيوني وأعوانه وذيوله في ضرب الأهداف المدنية والعسكرية واستهداف رموزه الوطنية من المقاتلين المؤمنين الشجعان وهو كيان مغتصب وغاشم بموجب قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ، وخامسها إن هناك إجماع محلي على رفض تواجد أي عدد من المقاتلين الأمريكان على الأراضي العراقية بذريعة تدريب القوات الأمنية ، فاغلب القوى السياسية تعد هذا التواجد غير شرعي لانتهاء المعارك العسكرية ضد داعش التي تخيل الأمريكان إن إنهائها سيستغرق 30 عام لكي تسرح وتمرح كيف ما تشاء . أن قرار البنتاغون بتمديد مدة تواجد ( المدربين ) العسكريين وغيرهم لمدة عامين لا يعبر عن الحب الأمريكي للعراق وإنما هو إصرار على زيادة أمد التواجد الميداني لتشويه أية صفحة بيضاء يفتحا العراقيون في تأسيس سفرهم القائم على أسس السيادة والحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان ، وان اتخاذ هذا القرار من دون موافقة ورغبة القيادات والمرجعيات السياسية والسيادية يعد صورة من صورة الإذعان وهو أمر مرفوض في التعامل الدولي الذي يجب أن يقوم على أساس التوازن واحترام الحقوق ورفض الامتلاءات ، وهو ما يلزم السيد رئيس مجلس الوزراء باتخاذ إجراء يبطل مثل هذه القرارات من خلال التنسيق مع البرلمان لإصدار قرار بإخراج القوات الأمريكية من البلاد سيما بعد إعلانه ( بشكل رسمي ) عن ثبوت تورط الكيان الصهيوني بقصف مواقع الحشد الشعبي ، كما إن نتائج التحقيق بشأن قصف مواقع الحشد الشعبي يتوجب إن تقدم للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لإدانة الكيان الصهيوني الذي ثبت قيامه بالعدوان السافر في تنفيذ الضربات الجوية ضد مخازن ومقرات الحشد الشعبي ، وهذا الفعل يشكل انتهاكا لسيادة البلاد مما يعطي كامل المبررات للحكومة العراقية ومجلس النواب بإخراج القوات الأمريكية والتحالف الدولي من البلاد كون إسرائيل نفذت الضربات بعلم تلك القوات دون ردعها أو منعها ، ومما يتيح إمكانية اتخاذ هكذا قرار هو قيام مجلس النواب بجمع الكثير من التواقيع لإدراج فقرة إخراج القوات الأجنبية ضمن جدول أعمال المجلس النواب ومن الممكن إدراج تلك الفقرة بعد اتفاق السلطتين التشريعية والتنفيذية باعتبار إن إخراج القوات الأمريكية يأتي من باب الحفاظ على سيادة البلاد لتتولى القوات الأمنية العراقية ملف حماية البلاد جوا وأرضا وبحرا دون شراكة من احد إلا بطلب من القائد العام للقوات المسلحة ، والمقترح هو أن يطلع شعبنا الصابر على تفاصيل الجلسة التي ستخصص للمناقشة والتصويت على قرار إخراج القوات الأجنبية من خلال نقلها وبثها مباشرة في وسائل الإعلام ليطلع الجميع على من يقف مع او ضد هذا القرار المهم ، ونقول مهم لأنه سيبدد آمال الحالمين والمتوهين بأكذوبة العشق الأمريكي للعراق لأنه وهم والحقيقة هي محاولة لتوريط بلدنا في حروب جديدة ( لا ناقة له فيها ولا جمل ) ، بعد إن انكشفت كذبته كونه غطاءا لارتكاب الحماقات وتعطيل مسيرة النمو في بلدنا الذي سوف لم يرى الأمن والاستقرار مادام هناك من ينصب نفسه وصيا لهذه البلاد