سومر نيوز: بغداد.. لم يكن خبر إصابة الناشط الراحل صفاء السراي مخالفاً لسياق الأحداث، فقد غادر الحياة قبله أكثر من 200 شاب من المتظاهرين، خلال 28 يوماً فقط، منذ بدء احتجاجات الأول من تشرين الأول، حيث لم توفّر السلطات و”القوات المجهولة” أياً من أدوات القمع لاستخدامها في محاولة وأد الاحتجاجات.

 

قُتل العشرات بالرصاص الحي وبإصابات في الرأس وفق ما تكشفه التقارير الرسمية، وبعد ما أُشيع عن قرار بمنع استخدام الرصاص الحي، استُخدمت القنابل الغازية في القتل، عن طريق تصويبها إلى رؤوس المتظاهرين كما كشفت العديد من المشاهد المصورة في بغداد والمحافظات، كان السراي أحد ضحايا تلك القنابل.

 

وُلد صفاء السراي (1993) لعائلة بغدادية، سكنت مناطق “جميلة والشعب”، تخرّج من الجامعة التكنولوجية، وخلال سنوات الدراسة، عمل في سوق “جميلة” حمّالاً، وفق ما يرويه أصدقاؤه المقربون.

 

أكمل السراي دراسته دون أي سنة رسوب، وتخرج مبرمجاً من قسم علوم الحاسبات في الجامعة التكنولوجية، وبعد التخرّج، عمل في كتابة العرائض (عرضحالجي) أمام إحدى مديريات المرور.

 

قبل أسبوع من وفاته، حصل للمرة الأولى على وظيفة في اختصاصه، حين تم توظيفه تدريسياً في جامعة أهلية.

 

شارك السراي في جميع الحركات الاحتجاجية التي صادفته تقريباً، يقول أصدقاؤه إنه لم يترك حركة احتجاجية دون أن يكون ضمن أفرادها.

 

شارك في تظاهرات العام 2011 في ساحة التحرير، في حقبة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، تعرض للضرب بالهراوات على يد القوات الأمنية، وعام 2015، في حقبة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي شارك في تظاهرات الحادي والثلاثين من تموز في بغداد، والتي انطلقت لمؤازرة تظاهرات محافظة البصرة بعد مقتل المتظاهر منتظر الحلفي، وتعرض أيضاً للضرب، كما شارك في تظاهرة أصحاب البسطيّات بعد حملة إزالة نفذتها السلطات.

 

تعرض للاعتقال خلال تظاهرات العام 2013 التي طالبت بتقليص امتيازات المسؤولين الحكوميين والنواب، ثم اعتُقل مرة أخرى عام 2018، على خلفية اشتراكه في تظاهرات المناطق الفقيرة شرق بغداد (المعامل والحسينية وجسر ديالى)، وبعد اطلاق سراحه، قال مقربون من السراي، إنه كشف لهم عن تلقيه تهديدات على صفحته في فيسبوك لثنيه عن الاستمرار في المشاركة بالاحتجاجات، حيث تلقى رسائل من “حسابات وهمية” تُظهر صورة التُقطَت له أثناء تواجده في المُعتقل، وتحذره من الاستمرار.

 

كان سلوك السراي متناقضاً في بعض الأحيان، فهو لم يكن يُخفي مخاوفه من الاستهداف كما ينقل اصدقاؤه، لكنه كان يواصل في اليوم التالي عمله المعتاد، الاحتجاج..

 

عُرِف السراي، بالجرأة الشديدة، يقول أصدقاؤه إنه كان كثير الإشتباك مع الإعلاميين و”النُخب” التي يتهمها بالمهادنة، يتقاطع مع أقرانه كثيراً، وكتب باسمه الصريح وصورته “في أوقات الاستراحة” من الاحتجاجات، ضد العديد من الإعلاميين والشخصيات العامة التي كان يحثها على إبداء مواقف أكثر تقدماً ووضوحاً ضد أوضاع البلاد وسياسات السلطة، وأن يتوقفوا عن مجاملة دوائر السلطات وتمييع المواقف، لكن غالبية “ضحايا جرأته” أو المُختلفين معه، يعترفون بنقائه و”تطرفه الوطني” كما يصف أحد الإعلاميين.

 

تُوفي والد صفاء في وقت مبكر من حياته، وعام 2017، توفيت والدته بعد إصابتها بالسرطان في عدة أجزاء من جسدها، وفق ما يكشفه زملاؤه الذين يؤكدون أنه شخص تحلى برباطة جأش شديدة، جعلته يتجاوز المِحن التي تواجهه، ويواصل مهامه ونشاطه.

 

كتب السراي قبل وفاته رسالة عنونها إلى الحشد الشعبي، امتدح تضحياتهم، وحذرهم فيها من مخطط يُراد لهم فيه الإشتراك في قمع التظاهرات، وذلك بعد ساعات على تصريح لنائب رئيس هيئة الحشد الشعبي ابو مهدي المهندس، قال فيه إن قواته ستتدخل في الوقت المناسب.

 

كتب السراي “مثلتم العراق والشعب العراقي خير تمثيل ووقفتم وقفة الابطال اثناء محاربتكم لداعش، ولولاكم لما انتصر العراق على الارهاب هذا الانتصار العظيم، كان في كل بيت حشداوياً نفتخر به، ونرفع رؤوسنا ونتباهى عندما يرجع الينا مصاباً او شهيداً.

 

الى الآن بيوتات شهدائكم من صفيح، وأراملهم وايتامهم يأكلهم الجوع والفقر، وما زالت أمهاتهم يتحسفن على ابنائهن، بسبب شعور عدم رد الجميل.

 

تزامنت اصابة السراي مع انضمام طلبة المدارس والجامعات إلى دعوات العصيان المدني والإضرابات التي أطلقها ناشطون احتجاجاً على ارتفاع أعداد ضحايا الاحتجاجات. لم تكد تنطلق الاحتجاجات حتى تسرّبت مشاهد ضرب القوات الأمنية لحشود المحتجين، فيما انتشرت مشاهد صادمة لضرب الطالبات الإناث، نشر صفاء السراي واحداً من تلك المشاهد على صفحته.. كتب بغضب ضد “اعتداء القوات الامنية على طالبات مدرسة عتبة بن غزوان في الصالحية” قال إن ما يجري “عار، عار كبير، وقلة شرف ومرؤة أن تضرب بنت بالشارع، يا عديمين الشرف والاخلاق”.