سومر نيوز.. من المرجح أن تتولى الحكومة العراقية تعويض الضرر البالغ في مبنى القنصلية الإيرانية بمدينة النجف، التي أحرقها متظاهرون غاضبون في 27 تشرين الثاني الماضي.

وتعد هذه القنصلية هي أكبر القنصليات الإيرانية ليس في العراق فحسب، بل على مستوى دول المنطقة أيضاً، وذلك بعد نحو ثلاثة أسابيع على محاصرة متظاهرين القنصلية الإيرانية في مدينة كربلاء، وتسلقهم أسوارها وإنزالهم العلم الإيراني ورفعهم العراقي بدلاً منه، ووضعهم يافطة كبيرة كتب عليها "أغلقت باسم الشعب".

 

ومن غير المعلوم ما إذا كانت البعثتان الدبلوماسيتان الإيرانيتان في كلّ من كربلاء والنجف قد غادرتا المدينتين فعلاً، لكنّ مواطنين أكدوا أن "بعض المعاملات باتت تُقضى من السفارة الإيرانية في بغداد، التي أحيطت هي أيضاً بإجراءات غير مسبوقة، تحسباً لهجوم المتظاهرين الذين يتهمون إيران بالتدخل في شؤون بلادهم وتغذية العنف والانقسام الطائفي، والتسلط على مقدراتهم الاقتصادية بما فيها تعمّد بقاء القطاعين الزراعي والصناعي العراقيَّين بحالة شلل، لضمان استمرار اعتماد العراق على الاستيراد من إيران".

 

وفي 4 تشرين الثاني الماضي، هاجم مئات الشبان العراقيين القنصلية الإيرانية في كربلاء، وأحرقوا صوراً للمرشد علي خامنئي وزعيم "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، قبل أن ينجحوا في كسر الأطواق الأمنية المفروضة على محيطها، وتسلّق جدارها الخارجي، وإنزال العلم الإيراني ورفع العراقي بدلاً عنه، ثم وضع يافطة كبيرة كتب عليها "أغلقت بأمر الشعب".

 

 وما زالت القنصلية حتى الآن مغلقة وفقاً لسكان محليين ومصادر أمن عراقية، تحدثوا عن منع حتى عبور السيارات من جوارها، وعن فرض تفتيش على المتجهين نحوها، كما منع أي تجمع يزيد عن خمسة شبان قربها.

 

وجاء الهجوم على القنصلية الإيرانية في كربلاء بعد تصريحات للمرشد الإيراني علي خامنئي وصف فيها المتظاهرين العراقيين بأنهم "شغب"، وطالب حكومة عادل عبد المهدي في بغداد بمواجهتهم.

 

وفي السابع والعشرين من الشهر نفسه، هاجم متظاهرون غاضبون؛ أغلبهم من سكان أحياء النجف القديمة التي يقع فيها مرقد الإمام علي بن أبي طالب، ومنازل رجال دين ومدارس دينية مختلفة أبرزها حوزة النجف الأشرف القديمة؛ القنصلية الإيرانية في المدينة، وتمكنوا بعد مواجهات غير طويلة مع الأمن من اقتحامها، وإضرام النيران فيها بشكل أتى على جميع أجزائها، بعد عرقلة المتظاهرين وصول فرق الإطفاء، لتُسجَّل بعد أقل من يوم، واحدة من أفظع مجازر التظاهرات العراقية، حيث لقي نحو 40 عراقياً من متظاهري النجف مصرعهم في مناطق جسر ثورة العشرين، وشارع البريد، وبمحيط القنصلية الإيرانية، على يد قوات الأمن وحراس ما يُعرف بـ"مرقد الحكيم"، وهو ما دفع المتظاهرين إلى إعادة إحراق القنصلية ذاتها مرة أخرى، ثم مرّة ثالثة، فباتت تستحيل إعادة العمل بها مجدداً قبل ما لا يقل عن 6 أشهر من العمل المتواصل.

 

وقال مسؤول عراقي في بغداد إنه يرجح أن تنتقل القنصلية الإيرانية في النجف إلى مكان بديل قريباً، من دون أن يستبعد أن تتكفل الحكومة بدفع تعويض لإيران عن الحرق والأضرار التي أصابتها "وفقاً للمتعارف عليه في مثل تلك الحالات"، على حدّ تعبيره، لافتاً إلى أن الحال مختلف بالنسبة لقنصلية إيران في كربلاء، فهي لم تتعرض لتحطيم أو حرق، لكنها مغلقة لإجراءات أمنية"، مؤكداً أن العمل جارٍ للتهيئة من أجل استئناف عمل القنصليتين بشكل طبيعي في الفترة المقبلة.

 

وختم بالقول: "هذه أطول فترة إغلاق لبعثة دبلوماسية إيرانية منذ عام 1980"، في إشارة إلى اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية، وطرد العراق للسفير الإيراني وإغلاق السفارة الإيرانية في بغداد.

 

ويُتوقّع أن تثير خطوة تعويض الحكومة لإيران عن قنصليتها المحترقة في النجف، حفيظة المتظاهرين العراقيين، خصوصاً ذوي الضحايا الذين تعهدت الحكومة باعتبارهم شهداء، ودفع تعويضات، من دون أن يحصلوا على شيء حتى الآن، بالرغم من أن غالبية الضحايا العظمى من الطبقة الفقيرة.

 

ولا يُعدّ حرق قنصليات إيران جديداً على جنوب العراق، إذ اقتحم سكان البصرة صيف عام 2018 الماضي القنصلية الإيرانية في البصرة قرب شط العرب، وأضرموا النار فيها بشكل كامل، خلال تظاهرات واسعة شهدتها المحافظة، اتّهموا إيران فيها أيضاً بسيطرتها على مقدرات العراق، وتعرّض بعد ذلك ناشطون بالتظاهرات لعمليات اغتيال واعتقال وتهديد.

 

ويقول ناشط في النجف أطلق على نفسه كنية أبو الحسن، وهي من الكنى والأسماء الوهمية التي بات الناشطون يستخدمونها بكثرة خوفاً من عمليات التصفية والخطف التي تطاول الناشطين منذ مدة، ، إن "الرسالة وصلت إلى الإيرانيين قبل النظام نفسه. نريد القول لهم إن نظامكم يتدخل بشؤوننا ويسلبنا قرارنا، وإننا رافضون لذلك، وهو عكس ما يحاول النظام الإيراني إيصاله بأن أهل العراق يحبون النظام"، وتابع "نحن نحب إيران كشعب مثله مثل أي شعب، لكننا لا نحب أن تفرض عليها تعاليم خامنئي وقاسم سليماني، فنحن أحرار في بلدنا".

 

وقال السفير العراقي في طهران سعد جواد، في كلمة له هذا الأسبوع ألقيت خلال ندوة بجامعة الخميني في مدينة قزوين الإيرانية، إن "العراق وإيران في جبهة واحدة"، معتبراً أن "زعزعة الاقتصاد تُعدّ إحدى أدوات الولايات المتحدة الأميركية تجاه إيران وبقية دول المنطقة".

 

وبعد عام 2003 بأشهر عدة، لم تكتفِ طهران بسفارتها في بغداد، بل وسّعت تمثيلها الدبلوماسي في العراق عن طريق فتح ثلاث قنصليات في النجف وكربلاء والبصرة، إضافة إلى قنصليتين أخريين في إقليم كردستان العراق، واحدة في أربيل والثانية في السليمانية.