سومر نيوز.. تهديدات ترامب بفرض عقوبات على العراق، دفعت العراقيين لاستعادة معاناتهم خلال فترة الحصار الاقتصادي، في التسعينيات عقب دخول الكويت، وما خلفته هذه العقوبات من مآس كبيرة

 

في الأيام الأخيرة تصدرت أحاديث العراقيين في المقاهي والشوارع والمنازل والمواصلات العامة وفي مواقع التواصل الاجتماعي، العقوبات التي هدد بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب العراق على خلفية التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران عقب حادثة اغتيال واشنطن قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، التي جاء بعدها ردّ إيراني ضد قاعدتين أميركيتين في العراق بالذات.

 

العبارة التي ذكرها ترامب حين هدد قائلاً بأنّ بلاده ستفرض على العراقيين "عقوبات لم يروا مثلها من قبل إطلاقاً. ستكون عقوبات إيران بجوارها شيئاً صغيراً" أرعبت العديد من أرباب الأسر الذين كانوا شباباً غير متزوجين في أيام الحصار، خوفاً من أن يعيش أطفالهم معاناتهم التي عاشوها في تلك الفترة. من هؤلاء سعد جواد، وهو أب لثلاثة أبناء ذكور في الدراسة الثانوية، وطفلة ولدت قبل عامين. يقول إن أطفالاً بعمر طفلته ماتوا أمام عينيه نتيجة سوء التغذية والأمراض المعدية التي انتشرت في البلاد بسبب الحصار في تسعينيات القرن الماضي.

 

ويتابع: "ابن أخي مات بعمر عام نتيجة سوء التغذية، وأيضاً مات عدد آخر من الصغار من أبناء وبنات أقاربي وجيراني بسبب الأمراض وسوء التغذية. لا أريد أن أفقد طفلتي، بعودة هذه الأمراض مرة أخرى نتيجة العقوبات".

 

أصدر مجلس الأمن القرار رقم 661، القاضي بفرض عقوبات اقتصادية على العراق في  آب 1990، الهدف منها التضييق على العراق لإرغامه على سحب قواته من الكويت. لكن قبل أن تصل الأمور إلى هذه المرحلة قادت الولايات المتحدة قوات التحالف وأخرجت القوات العراقية من الكويت. وبقيت العقوبات نافذة بذريعة التأكد من خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل، وتطبيقه قرارات مجلس الأمن، وشملت هذه العقوبات حظراً تجارياً كاملاً باستثناء المواد الطبية والمواد التي لها صفة إنسانية.

 

بنتيجة الحرب، عانى العراقيون من تدمير البنية التحتية لبلادهم؛ من محطات اتصالات وكهرباء ومصانع ومعامل ومنشآت نفطية ومخازن للحبوب ومواد تموينية، وأسواق مركزية، ومحطات ضخ المياه والمنازل. حتى الملاجئ التي احتمى فيها المواطنون لم تكن ملاذاً آمناً لهم أمام القصف الصاروخي البري والجوي والبحري المركّز على مدى 42 يوماً.

 

وجاء الحصار ليؤدي إلى نتائج مخيفة في جميع مجالات الحياة العامة الصحية والبيئية والاجتماعية والتربوية والعلمية والاقتصادية.

 

 يقول أحمد الزوبعي إنّه كان يعمل في تجارة التحف في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وكان يملك منزلاً واسعاً في بغداد، وسيارة حديثة، ويعيش حياة مرفهة، وبعد فرض الحصار على بلده انقلبت حياته بشكل كامل إلى الأسوأ. تلك الذكريات المؤلمة بالنسبة للزوبعي، بات يرويها في كلّ مكان: "لكي أنبه بعض الشباب المتحمسين المناصرين للمليشيات من الخطر الداهم، فكثيرون من بينهم كانوا صغاراً أو لم يكونوا قد ولدوا بعد في أيام الحصار، ولا يعرفون الويلات التي تجرها العقوبات الدولية على أيّ بلد مهما كان قوياً في اقتصاده".

 

تتبنى الفصال المسلحة في العراق خطاباً حماسياً تعبوياً ضد الولايات المتحدة؛ للمطالبة برحيل قواتها من البلاد، ويتفاعل مع هذا الخطاب شباب في مقتبل العمر. يقول الزوبعي إنّه بعد أشهر قليلة من بدء الحصار توقف عمله بالكامل؛ إذ لم يعد العراقيون يهتمون لأمر التحف وصار الهمّ الأول هو الحصول على الغذاء، فارتفعت أسعار المواد الغذائية في مقابل انخفاض العملة المحلية بشكل كبير.

 

ويستطرد: "بعد عام، اضطررت لبيع سيارتي لكي أوفر مصاريف المعيشة لعائلتي الصغيرة، وبعدها بدأت ببيع أثاث بيتي، وبعد عامين اضطررت لأبيع بيتي الواسع وشراء بيت صغير لكي أسدد ديوناً تراكمت علي، وأيضاً لأبدأ بمشروع جديد هو شراء باص صغير أعمل عليه في نقل الركاب".

 

ويضيف: "اليوم أملك بيتاً ويعيش معي أبنائي الثلاثة، وهم متزوجون يشغل كلّ واحد منهم غرفة في بيتي. أعتقد أنّنا إذا عشنا الحصار مرة أخرى فستتحطم عائلاتنا بالكامل. أولادي لا يملكون سوى ما يسد احتياجات عائلاتهم اليومية".

 

ويتحدث نبيل عبد الجبار إلى زملائه عن حال عائلته في أيام الحصار، أنّه اضطر هو وأشقاؤه وشقيقاته للعمل بعد وفاة والدهم، وذلك عقب الحصار بشهرين، من أجل توفير احتياجات عائلتهم الكبيرة. كانوا يعملون في جمع مواد البلاستيك من مكبات النفايات، ويطول عملهم أكثر من عشر ساعات في اليوم الواحد، من أجل توفير إيجار منزلهم وقوت يومهم. يؤكد أنّ "لكلّ واحد من أصدقائه قصة مأساوية أيضاً. كلّنا لا نريد أن تتكرر".

 

في سوق شعبي بحي الأعظمية شمالي العاصمة بغداد، ارتفعت حدة الغضب عند بعض باعة السوق وهم يتحدثون عن توقعات بحصار العراق. يؤكدون في ما بينهم أنّ عملهم في السوق يمكّنهم من توفير معيشة جيدة، وادخار المال أيضاً لتحسين حالتهم المعيشية، لكن إذا فرض الحصار فلن يكفي عملهم طوال اليوم لسدّ حاجة عائلاتهم.

 

 أحدهم، علي العبيدي، يقول إنّه كان شاباً حين فرض الحصار، ولم يتمكن من دخول الجامعة بسبب تفرغه للعمل لكي يساعد والده في توفير المعيشة لأسرته، ويضيف: "لا أريد العودة إلى تلك الأيام". بدوره يقول وليد رحيم (69 عاماً)، الذي يملك محلاً لبيع الأحذية، إنّه ورث مهنة صناعة وبيع الأحذية من والده، لكن في فترة الحصار، عمد الناس لتصليح أحذيتهم بدلاً من شراء الجديد منها، ما عرّضه للإفلاس، فحوّل محله إلى التصليح.

 

أما نوال عبد الناصر، فتقول إنّها منذ يومين لا هم لها هي وزميلاتها المعلمات في كلّ فترة راحة بعد الدروس سوى الحديث عن مآسي سنوات الحصار، وتقول إنّ "الخوف يتملك الجميع، ليس فقط بيننا في المدرسة بل أسمع هذا الحديث في كلّ مكان أذهب إليه". تضيف: "كنت شابة حين مرّ بلدنا بالحصار. كنت أنا وشقيقاتي وأشقائي نرقع ملابسنا ونرتديها، وأصبحت أسواق الملابس المستعملة ملاذنا حين نشتري ملابس الموسم الدراسي الجديد. أتذكر أنّ والدي باع أثاث البيت بعدما باعت والدتي مصاغها من أجل تدبير المعيشة. هي أيام قاسية لا نريد العودة إليها".