سومر نيوز: بغداد.. يرى تقرير بريطاني، الاربعاء، أنه بدون تغييرات دراماتيكية كبرى في المنطقة، لن يكتب للتظاهرات العراقية واللبنانية النجاح، مشيراً الى قيام قيادة الفصائل العراقية، المدعومة من إيران، بمراجعات كبيرة مع قيادة الحرس الثوري في كل من طهران وقم بعد التطورات الأخيرة.

 

ويذكر التقرير، ان “النهج الإيراني المعتمد بعد مقتل قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري قايم سليماني، وحسب ما جاء على لسان المرشد الأعلى علي خامنئي، والقائد الجديد لقوة القدس في الحرس الثورة الإيراني إسماعيل قآاني، هو المقاومة لإخراج القوات الاميركية من المنطقة، وهو ما التزمت به غالبية قادة الفصائل العراقية إضافة لحزب الله اللبناني”.

 

وأدناه نص التقرير:

“ليس بعيداً عن المعبر الحدودي الرسمي بين سوريا والعراق عند مدينة القائم، يوجد معبر آخر غير رسمي ولا سلطة للدولة عليه، تسيطر عليه فصائل شيعية مقاتلة تعمل على جانبي الحدود رغم انتشار الجيشين السوري والعراقي في كامل المنطقة، من بينها كتائب حزب الله وسيد الشهداء وحركة النجباء ووغيرها من الفصائل.

 

تعرضت مواقع هذه الفصائل لضربات جوية متكررة خلال العام الماضي، يعتقد أنها أميركية وإسرائيلية، أهمها تلك التي استهدفت كتائب حزب الله العراقي على جانبي الحدود قبل أسابيع، واسفرت عن مقتل ٢٣ شخصاً.

 

وخلافاً للضربات السابقة، قالت واشنطن إنها نفذت هذه الضربة رداً على قصف الكتائب لإحدى القواعد الأميركية في محافظة كركوك ما أسفر عن مقتل متعهد أميركي من أصول عراقية.

 

قطع الطريق

ونفى المتحدث باسم الكتائب محمد محي هذه الاتهامات، وقال في حديث لبي بي سي إن واشنطن استخدمت الأمر ذريعة لضرب مقرات الكتائب الموجودة في هذه المنطقة، لأنها “تريد قطع الطريق بين جناحي محور المقاومة الشرقي والغربي الممتد من طهران إلى بيروت” على حد تعبيره.

 

لكن مصدراً دبلوماسياً غربياً أكد لبي بي سي أنه اطلع على تسجيلات تظهر بوضوح إطلاق الصواريخ على القواعد الأميركية في أكثر من مناسبة من قبل مقاتلين من كتائب حزب الله العراقي.

 

قبل نحو عامين، حرص قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني الذي اغتالته الولايات المتحدة قبل بضعة أيام على قيادة المعركة في القائم والبوكمال ضد تنظيم داعش بنفسه، وأسس لوجود دائم لفصائل شيعية في هذه المنطقة الحساسة التي باتت تعتبر نقطة إرتكاز في “المشروع الإيراني”، كونها تربط مناطق نفوذ إيران بين العراق وسوريا.

 

وتجري قيادة الفصائل العراقية المدعومة من إيران مراجعات كبيرة مع قيادة الحرس الثوري في كل من طهران وقم بعد التطورات الأخيرة. فاغتيال سليماني ورجله في العراق أبو مهدي المهندس بعد مهاجمة مؤيدي فصائل عراقية السفارة الاميركية ببغداد غير كل قواعد اللعبة.

 

ماذا نعرف عن القواعد التي هاجمتها إيران في العراق؟

واكتفت إيران بالرد على اغتيال المهندس بقصف قاعدتين أميركيتين في العراق هما عين الأسد والحرير دون أن يسفر القصف عن سقوط أي ضحايا، وذلك بعد أن هددت واشنطن باستهداف ٥٢ هدفاً إيرانياً في حال ردت طهران بقتل جنود اميركيين.

 

وكجزء من التغييرات التي لمسها فريق بي بي سي بعد الحديث مع الكثير من قادة فصائل عراقية هو تغير الخطاب من خلال التأكيد على تقديم نفسها كحركات مقاومة لا كجزء من هيئة الحشد الشعبي التي تتبع لرئاسة الوزراء.

 

وبدا ذلك جلياً في قول المتحدث باسم حركة النجباء نصر الشمري “إن ارتباط هذه الفصائل بالأخوة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية والحرس الثوري وفي حزب الله والمقاومة الفلسطينية والمقاومة اليمنية وكل محور المقاومة في المنطقة هو ارتباط عقائدي مبدئي وليس ارتباط قائم على المصالح أو على تقاسم مناطق النفوذ”.

 

وأوضح في حديث لبي بي سي أن “فصائل المقاومة في العراق لم تكن موحدة منذ العام ٢٠٠٣ موقفاً وإجراءً وعقيدةً كما توحدت بعد استشهاد الشهداء القادة”.

 

النهج الإيراني المعتمد بعد مقتل سليماني وحسب ما جاء على لسان المرشد الأعلى علي خامنئي، والقائد الجديد لقوة القدس في الحرس الثورة الإيراني إسماعيل قآاني، هو المقاومة لإخراج القوات الاميركية من المنطقة، وهو ما التزمت به غالبية قادة الفصائل العراقية إضافة لحزب الله اللبناني.

 

لكن الرد الإيراني الذي اكتفى بقصف القاعدتين وعدم حدوث أي رد من قبل الفصائل العراقية فُسر على أنه تخوف من إنتقام كبير طالما هددت به واشنطن منذ مقتل سليماني والمهندس.

 

وهذا ما شجع المتظاهرين المطالبين بإسقاط الحكومة على العودة للشوارع بقوة يوم الجمعة، يهتفون ضد الفصائل الموالية لإيران ومطالبين طهران وواشنطن بوقف التدخل بالشؤون العراقية.

 

خطف واغتيال

ويتهم المتظاهرون فصائل مسلحة مرتبطة بإيران باغتيال وخطف الناشطين وترويع الصحافيين، ولم تكد تمض ساعات على بدء التظاهرات حتى فتح مجهولون النار على صحافي ومصور تلفزيوني يعملان لصالح قناة دجلة في البصرة فقتلا على الفور.

 

وتتركز الاحتجاجات التي بدأت منذ أكثر من مئة يوم في بغداد والمدن الشيعية في الجنوب، ورغم طابعها السلمي إلا أنها وُوجهت برد عنيف أسفر عن مقتل نحو خمسمائة شخص، ما دفع المتظاهرين لحرق الكثير من مقار الفصائل المتهمة بقتلهم.

 

ويبدو أن الشقاق داخل البيت الشيعي هو أخطر ما ترتب على تظاهرات العراق، وبات يزداد عمقاً يوما بعد آخر، ورغم إعلان كافة الأطراف التزامها بتوجيهات المرجع الشيعي الأعلى في العراق على السيستاني الذي أعطى الضوء الأخضر لسحب الثقة عن حكومة عادل عبد المهدي، إلا أن المشهد على الأرض يزداد تعقيداً تشابكاً بملفات داخلية وخارجية.

 

وبدا لافتاً موقف المرجعية في خطبة الجمعة التي ألقاها ممثل السيستاني السيد أحمد الصافي لجهة المطالبة بوقف التدخلات الخارجية في الشؤون العراقية، بقوله إن على جميع الأطراف العمل لأن يكون العراق “سيد نفسه يحكمه أبناؤه ولا دور للغرباء في قراراته”، ما فسر على أنه موجه لإيران بالدرجة الأولى.

 

وفي النجف، حيث مرقد الإمام علي، يبدو جلياً تراجع عدد الزوار الإيرانيين بعد تحذير حكومتهم من مخاطر قد يتعرضون لها في العراق بعد أن قام محتجون بحرق مقر القنصلية الإيرانية مرتين.

 

ويتوقع أن يزداد زخم الاحتجاجات خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وهو ما يطرح تحديات كبيرة أمام الفصائل الموالية لإيران بشأن آلية التعامل معها، إذ تنظر هذه الفصائل إلى الحراك الذي بدأ ضد الفساد وتردي الأوضاع الاقتصادية كجزء من مخطط مدروس ومدعوم أميركياً لضرب النفوذ الإيراني في العراق.

 

صراعات عقائدية

ويعتبر قيس الخزعلي، الأمين العام “عصائب أهل الحق”، إن هناك مخطط كبير يجري العمل عليه من خلال التظاهرات لإحداث “اقتتال شيعي شيعي”. وقال في حديث لبي بي سي إن “الصراعات التي توجد في العراق والمنطقة على الأقل، هي صراعات جذورها عقائدية، اكثر من ان تكون سياسية او اقتصادية، ونحن نشعر بوجود عداء عقائدي للكيان الإسرائيلي للإسلام بشكل عام وللمذهب الشيعي بشكل خاص”.

 

ضمن هذه الرؤية، وببعد ديني عقائدي تتحرك الفصائل التي انضوت تحت خيمة “المقاومة” من طهران إلى بيروت مروراً بالعراق وسوريا اللذان باتت مساحات كبيرة من مناطقهما السنية تحت سيطرة فصائل شيعية.

 

في لبنان، الذي تتواصل فيه الاحتجاجات منذ أشهر ايضاً بسبب الفساد وتردي الاوضاع الاقتصادية، ينظر شيعة البلاد إلى الحراك بعين الريبة، وهاجم أنصار حزب الله وحركة أمل المتظاهرين في أكثر من مناسبة قبل أن يهدؤوا بعد تكليف شخصية موالية لحزب الله بتشكيل الحكومة ليحل مكان رئيس الحكومة سعد الحريري، المرشح الأكثر تمثيلاً للطائفة السنية.

 

وكما قادة الفصائل العراقية، خرج الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله عبر شاشة التلفزيون بعد اغتيال سليماني والمهندس ليعلن على الملأ قرب البدء بتنفيذ الأهداف التي حددها خامنئي، موجها كلامه لواشنطن بالقول إن “على الأميركيين سحب قواعدهم وجنودهم وضباطهم وبوارجهم من منطقتنا، عليهم ان يرحلوا”.

 

وخلافاً للعراق، لا يعاني البيت الشيعي اللبناني من أي تصدعات، رغم بعض التظاهرات الصغيرة التي شاركت في الانتفاضة ضد الطبقة والصيغة الحاكمة، ويبقى حزب الله هو المعبر الأبرز عن الطائفة رغم التمثيل الكبير الذي تحظى به حركة أمل في أوساط شيعة لبنان.

 

هل يصبح العراق ساحة “لتصفية الحسابات” بين إيران وأميركا؟

ويرى الكاتب والمعلق اللبناني حازم صاغية أن مواقف حزب الله خلال العقدين الماضيين تؤكد أن مشروعه من البداية كان فصل الطائفة الشيعية عن المجرى الوطني اللبناني، وفي حديث لبي بي سي يقول صاغية إن هذا الأمر لا يقلل من تمثيلية حزب الله لشيعة لبنان، لكنها “تمثيلية مجيرة بالكامل لخدمة الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، وتتناقض مع المصالح الوطنية للشعب اللبناني”.

 

لا آفاق تدعو للتفاؤل ضمن المعطيات الراهنة بحسب صاغية، فبدون تغييرات دراماتيكية كبرى في المنطقة من نوع سقوط النظام الإيراني أو تداعي نظام بشار الأسد، لن يكتب للانتفاضتين العراقية واللبنانية النجاح، وأن “الاختراق الوحيد الممكن هو تحول ما داخل إيران وذلك نظراً لتوازنات القوى وفوارق الأحجام بين إيران وجوارها، وبالتالي لا العراقيين أو السوريين أو اللبنانيين يستطيعون اختراق الوضع الإيراني، الإيراني هو من عليه أن يصحح نفسه بنفسه من خلال حراك الشارع الذي عاد مجدداً” على حد تعبير صاغية.

 

ولا تزال إيران التي استثمرت لأربعة عقود في توسيع نفوذها في سوريا والعراق ولبنان واليمن، تمتلك تحالفات استراتيجية متينة نسجتها مع أنظمة وفصائل مسلحة تدين لها بالولاء الكامل.

 

ورغم تغيير الرئيس الأميركي دونالد ترامب قواعد الاشتباك والتفاوض، واستهداف أحد أهم أعمدة المشروع الإيراني باغتيال قاسم سليماني، إلا أن طهران لا تزال تمسك بالكثير من الأوراق التي على ما يبدو، يجري إعادة هيكلتها وترتيب أولوياتها ضمن ما بات يعرف باسم “جبهة المقاومة الإسلامية”، وإن كان من المتوقع أن تتريث في البدء بتنفيذ ما هددت به لجهة إنهاء النفوذ الأميركي بالمنطقة”.