سومر نيوز: بغداد.. ناقش تقرير أعدته صحيفة اندبندنت عربية مسارات حراك تشرين، و سلّط الضوء على فرص اجراء انتخابات نزيهة في ظل استمرار “سطوة السلاح” فيما تحدث عن تبدّل موقف زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، معتبراً ان ما جرى، زاد من حماسة المتظاهرين إلى منح الحراك مزيداً من الاستقلالية.

 

ونقل  التقرير جانباً من مداخلات ناشطين على صلة بالحراك، تحدثوا باستفاضة عن الخطوات المُقبلة، لجهة رفع مستوى التنسيق بين الساحات.

 

على الرغم من النتائج المحدودة التي حققتها على الصعيد السياسي، بإجماع المراقبين، فإن الندوب التي تركتها حركة الاحتجاج العراقية في جسد العملية السياسية، ربما لن تزول قريباً، بل يتوقع البعض أنها أسست، ربما، لقواعد عمل جديدة، سيضطر اللاعبون الأساسيون إلى أخذها بالاعتبار، في ما لو أرادوا البقاء ضمن أجواء اللعبة.

 

يقول الإعلامي العراقي أحمد ملا طلال، الذي قدم مجموعة برامج سياسية في محطات فضائية مختلفة، حققت انتشاراً واسعاً، إن على أقطاب النظام في بلاده أن يعوا، أن “المعادلة قد تبدلت بشكل لن تنفع معها الآليات التي اعتادوا على اعتمادها طيلة 17 سنة في تسيير أمور البلد”، وأضاف “أما إن استمروا في عنادهم وأصروا عليه، فالذي سيتبدل، عاجلاً أم آجلاً، ليس المعادلة والآليات فقط، بل النظام بأكمله”.

 

عندما رشح الناشط البارز في الحراك العراقي، الصيدلاني علاء الركابي، نفسه لرئاسة الحكومة الجديدة، خلفاً للمستقيل عادل عبد المهدي، بهدف قطع الطريق على رئيس الوزراء المكلف محمد توفيق علاوي نحو تأليف الوزارة، انتقده بعض أقرب المقربين منه، انطلاقاً من أن التظاهرات لم تستهدف الاستحواذ على مناصب حكومية، بل أرادت تصحيح اعوجاج العملية السياسية، التي هيمنت عليها الأحزاب الفاسدة، لذلك فإن استقالة عبد المهدي تحت ضغط الشارع، التي يراها بعض النشطاء مكسباً، يجد فيها آخرون التفافاً على المطالب الرئيسة، المتمثلة بـ “استعادة الوطن” من أيدي مكونات الطبقة الحاكمة، التي اختارت أن تضع أمر البلاد في أيد إيرانية.

 

ويضع كثيرون قراري البرلمان القاضيين بتشكيل مفوضية جديدة، من القضاة حصراً، تتولى الإشراف على الانتخابات، وتشريع قانون انتخابي جديد وفق صيغة الدوائر المتعددة للمحافظة الواحدة، ضمن سلة مكاسب الحراك الذي انطلق مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2019، على اعتبار أنهما شرطان أساسيان لضمان اقتراع نزيه، يأتي بمجلس نواب يمثل الشارع، لا الأحزاب. ولكن حتى هذا المكسب، هو بالنسبة لآخرين، شكلي، ما دامت الانتخابات نفسها ستجرى تحت سطوة السلاح المنفلت الذي تملكه الميليشيات الموالية لإيران، ما يعني أنها ستكون هي المتحكمة في شكل البرلمان المقبل.

 

يقول الناشط السياسي البارز مهند الكناني، الذي طرح نفسها مرشحا ًلرئاسة حكومة مؤقتة في العراق، “لا قيمة لأي قوانين انتخابية، ما لم تسبقها آليات لنزع سلاح الاحزاب وإسقاط مقاعدها، في حال ثبوت تسلحها او عمالتها او تمويلها من الخارج”.

 

ويناقش باحثون وكتاب، أشكالاً أخرى من “انتصارات ثورة أكتوبر”، كما يحلو لهم تسميتها، من بينها تحطيم الكثير من الحواجز التي حالت سنوات عدة بين الشارع وبعض أركان الطبقة السياسية التي تزعم أنها تمثله، لا سيما تلك الأركان التي ترتدي لبوساً دينياً، على غرار الزعيم الشيعي البارز مقتدى الصدر.

 

وكان الصدر، أحد أبرز أنصار الحراك الشعبي ضد الطبقة السياسية الحاكمة، لكنه انقلب على الشارع، بعد مقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، على أيدي الأميركيين، في غارة استهدفت الموكب الذي يقلهما داخل مطار بغداد، مطلع العام الجاري، وبدلاً من أن يحضّ أنصاره على دعم المحتجين الذين يتصدون لنيران الميليشيات المسلحة بصدور عارية، طلب منهم الاحتشاد بعيداً عن ساحات الاحتجاج المعروفة، للتنديد بالقوات الأميركية، والطلب من البرلمان والحكومة طردها من العراق فوراً.

 

وقرأ المحتجون في تحول الصدر، رغبة منه في تسيد الساحة العراقية، بعد زوال تأثير اثنين من أبرز منافسيه عليها، بعيداً عن شعارات السيادة والاستقلال التي رفعها أنصاره، فما كان منهم إلا أن أضافوا إلى شعارهم الشهير “إيران برا برا” الذي يطالب صراحة بإنهاء الهيمنة الإيرانية على القرار السياسي العراقي، عبارة “أميركا برا برا”، ليقولوا لزعيم التيار الصدري إنهم ليسوا أقل وطنية منه، في ما يتعلق بسيادة الدولة.

 

وحمّل الناشط والإعلامي سعدون محسن ضمد، الصدر وتياره “مسؤولية تاريخية واخلاقية ووطنية بخصوص عملية الانقلاب على الاحتجاجات وطعنها من الداخل”، متهماً إياهم بالوقوف إلى جانب “عصابات فاسدة خائنة مجرمة أنهكت الناس وضيعت حقوق الفقراء وباعت البلد للأجنبي”.

 

وكان واضحاً أن المتظاهرين أغضبوا الصدر كثيراً بمخالفتهم رغبته في التفريق بين الدورين الأميركي والإيراني في العراق، لذلك أمطرهم بسلسلة هجمات، من بينها أن بعضهم عملاء للولايات المتحدة، وأن آخرين حولوا ساحات الاحتجاج إلى “مرتع للفسق والفجور”، منتقداً مشاركة المرأة في تظاهرات مختلطة.

 

ولم يؤد هجوم الصدر سوى إلى إلهاب حماسة المحتجين، ودفعهم إلى تحطيم الهيمنة الصدرية على الشارع وقدرته الفريدة على تحشيد المتظاهرين، فبعد انسحاب التيار الصدري من الساحات، استمرت الحشود البشرية بالتدفق على الساحات أسبوعاً تلو الآخر، ما منح حركة الاحتجاج صفة الاستقلالية بامتياز، وميّزها بوضوح عن التيارات السياسية ذات الطابع الشعبي.

 

وذهب بعض المحتجين إلى أبعد من تحدي الصدر، عندما تحدثوا عن أن المناصرة المستمرة التي يلقونها من المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، لم تكن لتدوم لولا إصرارهم على الصمود أمام آلة القمع الحكومية، التي أسقطت مئات القتلى وآلاف الجرحى في صفوفهم.

 

ويحاول باحثون وكتاب، على غرار علاء اللامي، تطوير صيغة الاحتجاج الشعبي، إلى نوع من الفعل السياسي، لضمان تحقيق التغيير المنشود، عندما تتاح الفرصة، بالأدوات الديمقراطية، ويقول اللامي “منذ الشهر الأول للانتفاضة، دعا كتاب وناشطون إلى تشكيل لجان قاعدية في ساحات التظاهرة، تنتخب مجالس شعبية في المحافظات، وهذه المجالس تنتج قيادة على المستوى الوطني”، أضاف “تردد كثيرون وتأخر المشروع كثيراً، وأعتقد ان الحل الآن في العودة إليه أو إلى ما يشبهه، ولتكن البداية مثلاً في هيئة لجان للحوار والتنسيق بين الساحات في المحافظات المنتفضة”.

 

لكن اللامي يطالب بـ “التفريق بين موضوع إيجاد تنظيم سياسي للانتفاضة على شكل حزب سياسي، فهذا ليس مهمة الانتفاضة لأنها حركة اجتماعية شعبية واسعة والحزب يستوجب الانسجام والاتفاق على برنامج سياسي حزبي، وبين هيئات قيادية سياسية وتنظيمية لقيادة انتفاضة تحتوي جميع القوى والأحزاب والنقابات التي قد تنشأ”، مشيراً إلى أن “الفرق بين الاثنين كبير جداً… المهم الآن أن الوعي بهذه الإشكالية بدأ يتسع ويتعمق والأمل كبير في أن يثمر شيئاً في وقت قريب”.

 

وتابع أن “النقلة المهمة والواجبة الآن هي الانتقال من الأمل الى العمل لتجسيد الأمل”، مؤكداً أن “انتفاضة تشرين حية ومستمرة والنصر حليفها بكل تأكيد، فحجم التضحيات والدماء الزكية التي بذلت لا يمكن أن يذهب هدراً أبداً”.