سومر نيوز: بغداد.. وهم يقلّبون الاحتمالات، بناءً على التطورات الأخيرة في حركة الاقتصاد العالمي وتأثيرها على العراق، يؤكد ساسةً، بينهم رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، أن أزمة اقتصادية حادة “مقبلة” على البلاد، ذهب خبراء إلى تشبيهها بأزمة فنزويلا.

 

فالعراق الذي يعاني أصلاً من عجز بحوالي 51 ترليون دينار، أي ما يقارب 45 مليار دولار، في ميزانيته المالية للعام الحالي، والتي لم تقرّ بعد، تلقى ضربة جديدة بانخفاض أسعار النفط إلى 45 دولاراً للبرميل الواحد، مع ترجيحات بانخفاض أكبر، خاصة مع عدم توصل منظمة “أوبك” إلى اتفاق بتقليل الإنتاج مع روسيا.

 

وبعد تفشي فيروس “كورونا” توقف عمل أغلب المصانع الصينية، البلد الذي انطلق منه الفيروس، وهي التي تعتمد على النفط  العراقي بنسبة 33% من استهلاكها، كما أوقف العراق أنشطة اقتصادية مع عدة دول بعد أن عمّها الفيروس أيضاً، وتضررت قطاعات داخلية أبرزها السياحة وعمل شركات السفر، لتجتمع بذلك عوامل قد تجعل الدولة العراقية “عاجزة عن دفع رواتب موظفيها”.

 

وفي حديثه، يشير الخبير الاقتصادي العراقي صالح الهماشي، إلى “مقامرة” رئيس الحكومة المستقيلة عادل عبد المهدي و”توقعاته الخاطئة لمردودات العراق المالية” كأحد أسباب الأزمة المتوقعة، مضيفاً أن العراق ربما سيواجه “واقعاً مشابهاً” لما حصل في فنزويلا عام 2014.

 

ويقول الهماشي إن “عبد المهدي، ولكي يقلل من زخم وضغط الاحتجاجات الشعبية التي واجهت حكومته وأطاحت به في النهاية، أطلق آلاف الوظائف في مؤسسات الدولة المتخمة بالموظفين أصلاً، فأضاف بذلك عبئاً على الموازنة المالية حتى وصل العجز إلى نسبته الحالية”.

 

لكن رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، الذي أدار العراق بظروف اقتصادية صعبة وحرب منهِكة ضد تنظيم “داعش”، يبدو أكثر تشاؤماً من غيره حول “الأزمة المقبلة على العراق”، فراح يصف السياسة المالية لحكومة عبد المهدي بأنها “غير رشيدة، وتصل إلى مستوى خيانة أمانة الحكم”.

 

ولم يكتفِ العبادي بلوم الحكومة المستقيلة واتهامها بالفشل وإضاعة “رصيد مالي ضخم”، فذهب إلى تحميل القوى السياسية التي أنتجتها “كامل المسؤولية التاريخية” لما سيؤول إليه وضع الدولة العراقية، متوقعاً أن الدولة ستدخل في “خانة العجز عن تسديد استحقاقات الرواتب والموازنة التشغيلية بنهاية هذا العام”.

 

في المقابل، قلل مظهر محمد صالح، المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي من قيمة المخاوف إزاء رواتب الموظفين والمتقاعدين والرعاية الإجتماعية، قائلاً إن الحكومة تتبع تدابير خاصة لتأمينها، وإنها تعتقد بأن هذه المسألة “من الخطوط الحمراء، ولايمكن المساس بها”.

 

وأوضح صالح، أن من بين التدابير التي تتبعها الحكومة في هذا الشأن “ضغط الإنفاق وتأجيل بعض المشاريع غير المهمة إضافة إلى معالجات أخرى”، وفيما أشار إلى أن “ما يعادل ثلث الشعب العراقي يتسلم دخلاً من الحكومة بشكل مباشر وغير مباشر، أقرّ بتأثير انخفاض أسعار النفط لكنه استدرك قائلاً إن “هناك معالجات مالية صارمة”.

 

ويتوجب على الحكومة العراقية دفع رواتب لنحو 7 ملايين شخص، بين موظفين ومتقاعدين ومستفيدين من الإعانات الإجتماعية، تبلغ في مجموعها حوالي 50 مليار دولار سنوياً، أي نصف قيمة الموازنة التي تدور في فلك الـ100 مليار عادةً، يخصص 10 – 15% منها لتسديد ديون داخلية وخارجية.

 

وزارة المالية اقترحت على الأمانة العامة لمجلس الوزراء، الشهر الماضي، إيقاف علاوات الموظفين وتجميد قرارات إعادة المفسوخة عقودهم “بسبب قلة الموارد المالية المتاحة ونسبة العجز في موازنة 2020″، وهو ما رفضه نوابٌ في البرلمان.

 

حيدر العبادي، الذي عُرِفَ باتباعه سياسة التقشف لإدارة الأزمة التي واجهت حكومته (2014- 2018) تحدث أيضاً عن “تناهب موارد الدولة من قبل مراكز القوى”، ضمن عوامل قال إنها “ستقود البلاد الى كارثة اقتصادية نحذر من الوقوع بها” بعد أن وضع “سياسة الإنفاق التبذيري” ضمن الأمور التي ساعدت على “دخولنا منطقة الخطر مالياً واقتصادياً”.

 

وفي السياق ذاته، أجرى المحلل السياسي هشام الهاشمي، معادلة حسابية لموازنة 2020، وهي كالتالي 44 دولارًا سعر النفط * 365 يومًا* 3.750 مليون برميل يوميًا + 6 مليار ايرادات داخلية – 53 مليار رواتب وتشغيلية =60.225 مليار + 6 مليار – 53 مليار رواتب وتشغيلية = 13.255 مليار إذا طرح منها 19 مليار جولات التراخيص، وطرح منها 10 مليار للإقليم، مستنتجاً أن العجز “كبير وخطير”.

 

ووفقاً لرؤية المحلل صالح الهماشي، فإن الأزمة التي يتَوقع أن يشعر العراقيون بوطأتها مع حلول منتصف العام الجاري، ستولّد مشكلتين؛ أولهما زيادة نسبة البطالة و”اختفاء” فرص العمل، دون قدرة الإعانات الاجتماعية التي تقدمها الدولة، على سد الحاجة.

 

وتشير التقديرات الرسمية إلى أن نسبة البطالة في العراق بحدود 13،8%، لكن الهماشي يقول إنها أكبر من ذلك، موضحاً أن “التقديرات الرسمية لم تعتمد على مقياس واقعي، مبني على إحصاء سكاني”.

 

أما المشكلة الثانية، كما يوضح الخبير الاقتصادي هي، أن “السوق العراقي سيشهد انحساراً كبيراً جداً في الأعمال، ما يؤدي إلى تآكل رأس المال العامل لدى التجار المحليين وقلة مواردهم المالية، الأمر الذي قد يدفع الدولة إلى البحث عن استثمارات خارجية، فيؤثر ذلك على الاقتصاد الوطني ويجعله رهيناً لجهات خارجية، فينخفض مستوى دخل المواطنين ويدخل بعضهم تحت خط الفقر”.

 

هذه العوامل، يمضي الهماشي في حديثه “ستنتج ظواهر اجتماعية خطيرة ومشاكل سياسية وصناعية”.

 

وفيما يؤكد خبراء اقتصاديون على “ضرورة” أن تعمل الحكومة الجديدة على”ترشيح الإنفاق” واعتماد الحد الأدنى للأجور وشمول جميع الموظفين، سواء الدرجات الخاصة أو غيرهم، بذلك دون استثناء، فإنهم يتحدثون عن “مشاكل كبيرة جداً” سيعاني منها العراق في السنوات المقبلة ما لم يتم إيجاد بدائل داخلية تعوّض هزات سوق النفط، وتضع في الحسبان تزايد الإقبال على الطاقة البديلة.

 

ويقترح هؤلاء الإستثمار في قطاعات النقل والزراعة والاتصالات ضمن الحلول، كما يرجحون أن تضطر الحكومة القادمة إلى التراجع عن “كثير” من قرارات حكومة عبد المهدي، بينها التعيينات الأخيرة التي تقارب 300 ألف درجة وظيفية، وإعادة المفسوخة عقودهم، إذ أن أموال الخزينة العراقية “لاتسد احتياجات البلد لستة أشهر”، في حين أن موارد العراق غير النفطية، البالغة 5% من قيمة الموازنة لا تكفي لعشرين يوماً، بحسبهم.

 

وأشاروا إلى صعوبة الاقتراض الخارجي بالنسبة للعراق في ظل ما يواجهه من مصاعب، والتي بدورها ستدفع الجهات المقرضة إلى تقليل اقراضها لبغداد “ما يعني اضطرار اللجوء إلى احتياطي البنك المركزي، البالغ حوالي 80 مليار دولار، لسد العجز”.

 

وفي خضم ذلك، نقلت وكالة رويترز الثلاثاء 3 آذار عن مصادر في وزارة التجارة العراقية قولها إن تأخير الموافقة على ميزانية العراق في ضوء المأزق السياسي يعرقل توقيع عقود مشتريات حبوب جديدة، والتي يعتمد عليها معظم العراقيين، خاصة من يرزح منهم تحت خط الفقر.

 

وأشارت المصادر إلى أن “العراق، أكبر مشترٍ للقمح والأرز في الشرق الأوسط، يملك مخزونات استراتيجية من الاثنين تكفي لمدة شهرين”.

 

وأوضحت أن “مخزونات القمح الاستراتيجية تكفي حتى بدء موسم الحصاد المحلي في أبريل/ نيسان”، دون صدور أي موقفٍ رسمي إزاء هذه التصريحات.

 

 

بالعودة إلى تحذيرات الخبير الاقتصادي صالح الهماشي، بشأن مواجهة العراق واقعاً مماثلاً لما حصل في فنزويلا عام 2014، فإن تلك الدولة، تعتمد على النفط بنسبة 90%، وتمثل أغنى اقتصاد في أميركا اللاتينية، لكن الفساد وسوء الإدارة والمديونية الكبيرة، أدى إلى انهيار اقتصادها بدءاً من عام 2010، قبل أن يضاعف أنخفاض أسعار النفط في 2015 أزمتها.

 

وفي استطلاع سنوي لظروف المعيشة أجريَ عام 2017، قال 6 من بين كل 10 مواطنين فنزويليين إنهم يأوون إلى النوم جياعاً لعدم قدرتهم على شراء الطعام، رغم أن احتياط بلادهم من النفط قُدر في نهاية العام ذاته بنحو 303 مليارات برميل. فيما تقول الأمم المتحدة إن نحو 3 ملايين من الفنزويليين هجروا ديارهم منذ عام 2014.

 

وحسب دراسة أعدها المجلس الوطني الذي تسيطر عليه المعارضة، وصلت نسبة التضخم السنوي 1,300,000 بالمئة في الأشهر الـ 12 التي سبقت تشرين الثاني / نوفمبر 2018.

 

وبحلول نهاية 2018، كانت أسعار السلع تتضاعف كل 19 يوم بالمعدل، مما ترك العديد من الفنزويليين يتشبثون لشراء الأساسيات كالغذاء والمواد الصحية.