سومر نيوز.. تترقب أوساط سياسية وحكومية عراقية، قائمة عقوبات أميركية بحق مسؤولين حكوميين وأمنيين وقياديين بارزين ضمن الحشد الشعبي، على غرار عقوبات فرضتها واشنطن في وقت سابق من شهر كانون الأول الماضي، على شخصيات عراقية قالت إنها متورطة بقمع التظاهرات الشعبية وارتكاب انتهاكات.

 

ويأتي ذلك بعد أيام قليلة من التقرير الذي وصف بغير المسبوق، لمسؤولة بعثة الأمم المتحدة في العراق جنين بلاسخارت، والذي قُدم الثلاثاء الماضي إلى مجلس الأمن الدولي، كإحاطة من المبعوثة الأممية بشأن الوضع في العراق.

 

وأقرّت بلاسخارت في التقرير بعمليات تنكيل تمّت بحق المتظاهرين وتحدّثت عن خطف الناشطين، واستمرار عمليات القتل المفرط والتضييق على حرية الرأي والإعلام، متهمةً فصائل مسلحة بأنها تهدد استقرار وبناء الدولة العراقية.

 

وكشف مسؤول عراقي رفيع في مكتب الأمن الوطني، الذي يترأسه مستشار الأمن الوطني، فالح الفياض، أنّ "تقرير الأمم المتحدة الأسبوع الماضي، عزز توقعات داخل بغداد مبنية على معلومات مسبقة، تفيد بقرب إعلان واشنطن عن قائمة بأسماء شخصيات حكومية وأمنية وأخرى ضمن فصائل الحشد الشعبي، تمّ وضعها على لائحة العقوبات، بصفتها متورطة بقمع التظاهرات"، مشيراً إلى أنّ هذه العقوبات "قد تطاول أيضاً رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي".

 

وأضاف المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أنّ "الحراك الأميركي تحديداً يدفع أيضاً باتجاه أن تتبنى المحكمة الجنائية الدولية، إصدار لائحة اتهامات بحق المتورطين في الملف وتطالب بمحاكمتهم"، كاشفاً عن أنّ قوى سياسية عراقية "تتهم السفير الأميركي في بغداد، ماثيو تولر، بالوقوف وراء رفع تقارير من بغداد حول مجريات الاحتجاجات العراقية، بطابع لا يخلو من الاستهداف السياسي".

 

ولفت المسؤول ذاته إلى أنّ "الاتهامات التي يتوقع أن تطاول أكثر من 20 شخصية عراقية، هي إعطاء أوامر استخدام الذخيرة الحية ضدّ المتظاهرين، وإطلاق قنابل غاز مخصصة لأغراض قتالية خلال تفريق الاحتجاجات، وتنفيذ عمليات تعذيب وتكسير أطراف، وخطف ناشطين بهدف ترهيبهم ودفعهم إلى التخلي عن التظاهر، وحجب شبكة الإنترنت والتضييق على حرية الصحافة والإعلام، وحرمان العراقيين من حقّ الوصول للمعلومة. فضلاً عن اتهامهم بانتهاكات أخرى، مثل الاعتقالات بدون غطاء قانوني لمواطنين عراقيين بحجة المشاركة في التظاهرات، وأيضاً التلاعب بنتائج التحقيقات، وتهديد وترهيب شهود عيان في هذا الصدد وتغيير إفادات وحقائق".

 

ومن بين أبرز الشخصيات المتوقع أن تتضمنها قائمة العقوبات، بحسب المصدر ذاته، والذين تمّ اعتبارهم أصحاب مسؤولية كاملة عن إصدار أوامر مباشرة أفضت إلى سقوط ضحايا في بغداد وجنوب ووسط العراق بين المتظاهرين، هم: محمد الهاشمي المعروف باسم أبو جهاد الهاشمي، مدير مكتب رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي، ومستشار شؤون "الحشد الشعبي" في رئاسة الوزراء والمسؤول عن أمن المنطقة الخضراء، الفريق تحسين عبد مطر العبودي المعروف باسم أبو منتظر الحسيني.

 

بالإضافة إلى الناطق باسم مكتب القائد العام للقوات المسلحة، اللواء عبد الكريم خلف، ومسؤول فرقة الردّ السريع في الشرطة الاتحادية ثامر محمد إسماعيل المعروف باسم "أبو تراب"، واللواء الركن جميل الشمري، واللواء الركن رشيد فيلح.

 

فضلاً عن قيادات وأسماء بارزة في "الحشد الشعبي"، مثل سلمان دفار، وأبو إيمان البهادلي، وحامد الجزائري، وأبو آلاء الولائي (هشام بنيان السراجي)، وعبد العزيز المحمداوي المعروف باسم الخال أو "أبو فدك".

 

ورجّح المسؤول أن يتم أيضاً توجيه اتهام لعبد المهدي في الملف نفسه، المتعلّق بقمع التظاهرات، وارتكاب انتهاكات نفذت بعلم منه، بحقّ المتظاهرين.

 

وفي سياق الحديث عن إمكانية وصول الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، قال الخبير القانوني العراقي طارق حرب، إنّ "العراق ليس عضواً في المحكمة الجنائية الدولية، لكن هذا لا يمنع رفع شكاوى لدى المحكمة بشأن قضايا تخصّ الشأن العراقي"، مشيراً إلى أنّ "قرارات هذه المحكمة، بناءً على طلب أو شكوى من شخصيات أو جهات عراقية، قد يترتب عليها إجراءات وقرارات معينة".

 

وأوضح حرب أنّ "أي ملف يتم تحويله أو تقديمه من مجلس الأمن إلى المحكمة الجنائية الدولية، تكون قرارات المحكمة فيه ملزمة التطبيق، مهما كانت، وضدّ أي شخصية حكومية أو سياسية وغيرها".

 

وأضاف الخبير القانوني العراقي أنه "كان الأولى بالممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، جنين بلاسخارت، خلال إحاطتها في مجلس الأمن، أن تطلب من الأخير تحريك شكوى لدى المحكمة الجنائية الدولية، حتى يكون أي قرار يصدر عن المحكمة ملزماً للعراق، فهذا قرار دولي ولا تستطيع أي دولة الامتناع عن تنفيذه، وهو واجب النفاذ إذا جاء بطلب من مجلس الأمن الدولي".

 

وقدّمت بلاسخارت إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي الثلاثاء الماضي، قالت فيه إنّ "الجماعات المسلحة خارج نطاق الدولة تمنع استمرار الحياة في العراق، وهذا الأمر لا يجب أن يخفيه القادة السياسيون، بل يجب تفكيك هذه الجماعات"، داعيةً البرلمان العراقي إلى إكمال تشريع قانون الانتخابات تمهيداً لإجراء انتخابات نزيهة.

 

وبلغت حصيلة ضحايا التظاهرات العراقية منذ انطلاقتها في الأول من تشرين الأول الماضي ولغاية الآن، أكثر من 600 قتيل، وما لا يقل عن 27 ألف جريح، فضلاً عن آلاف المعتقلين وعشرات المختطفين، وهي أرقام تبقى غير رسمية، بسبب امتناع السلطات العراقية عن الإفصاح عن العدد الحقيقي للضحايا الذين قضوا بالتظاهرات أو الذين أصيبوا جراء إطلاق النار وقنابل الغاز، وأخيراً استخدام بنادق الصيد من قبل الأمن العراقي.

 

وتصدرت العاصمة بغداد القائمة كأكثر مدن العراق سقوطاً للضحايا، تلتها الناصرية عاصمة محافظة ذي قار، ثمّ كربلاء فالنجف والبصرة، أقصى الجنوب العراقي والمطلة على مياه الخليج العربي، والتي سجلت اعتداءات دامية في الأسابيع الأولى من تفجّر التظاهرات، وصلت إلى حدّ عمليات دهس للمتظاهرين بسيارات الأمن، وقتل عدد منهم في شط العرب والعشار، في أسلوب تنكيل لم يختلف عما حدث في النجف وكربلاء والناصرية وبغداد التي سجلت حوادث قتل جماعية ضدّ المتظاهرين، في حين ما زالت الحكومة تماطل في الكشف عن الجناة.

 

من جهته، قال نائب بارز في البرلمان العراقي، محسوب على تحالف "سائرون"، حول ترقّب بلاده عقوبات على شخصيات متهمة بقمع التظاهرات، إنها "قد تكون بعد تشكيل الحكومة الجديدة".

 

وأوضح النائب الذي طلب عدم ذكر اسمه، أنّ "الأميركيين اتخذوا قرارهم بشأن قائمة عقوبات جديدة، وهذه المعلومات كلها تنقل من خلال وسطاء أو مسؤولين عراقيين مقربين من واشنطن، وأغلب الاعتقاد أنها ستكون بعد تشكيل الحكومة لأنّ غالبية من تتهمهم الإدارة الأميركية يشغلون حالياً مناصب في الحكومة الحالية".

 

وأضاف النائب نفسه: "نعتقد أنّ تقرير الأمم المتحدة المحتدة عن الحكومة، كتب كما تريد الولايات المتحدة".

 

من جهته، قال النائب في البرلمان العراقي، باسم خشان، إنّ "هناك تخوف حقيقي لدى السلطات العراقية، من فرض عقوبات على الشخصيات المتورطة بعمليات قتل وقمع وخطف المتظاهرين"، مضيفاً أنه "ربما الأيام المقبلة تشهد شمولهم بعقوبات أممية أيضاً، ودعوات لمحاكم دولية، خصوصاً أنّ هناك دعاوى كثيرة قدّمت فعلاً بحق الكثير من المتورطين في أوروبا والولايات المتحدة من قبل ناشطين وحقوقيين عراقيين".

 

وتابع خشان أنّ "عمليات القمع في العراق جميعها جرت بأوامر عسكرية وحكومية، مع تورط لبعض المليشيات بعمليات الاختطاف والاغتيال"، موضحاً أنّ "أوامر قتل وقمع المتظاهرين، كانت تصدر من مكتب رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، وربما منه شخصياً أو ممن هم دونه، لكنه يعدّ مسؤولاً عن عمليات القتل والقمع بصورة مباشرة، فهو لم يتخذ أي إجراء عقب هذه العمليات".

 

وأضاف أنّ "عمليات الاختطاف، متورط فيها بعض المليشيات المسلحة، وكذلك جهاز الأمن الوطني العراقي، فهو كان يقوم بعمليات غير قانونية بتنفيذ اعتقالات سرية وتغييب للمتظاهرين والناشطين، ما يعني عمليات اختطاف كأعمال المليشيات وليس اعتقالاً رسمياً".

 

بدوره، قال نائب رئيس الوزراء العراقي الأسبق، بهاء الأعرجي، إنه "أصبح واضحاً وجود شخصيات وجهات في مؤسسات الدولة العراقية الرسمية وخارجها، متورطة بعمليات قتل المتظاهرين وقمعهم، لكنه لم يتم اتخاذ أي إجراء ضدّ هذه الشخصيات والجهات، على الرغم من أنها معروفة لدى غالبية الشعب العراقي".

 

وأوضح الأعرجي أنّ "هناك خوفاً أو خشية لدى ذوي الضحايا من تحديد هويات قاتلي أبنائهم أو تقديم شكاوى بحقهم"، مضيفاً أنه "على الرغم من أن مجلس القضاء الأعلى طلب من كل ذوي الضحايا تقديم شكاوى، لكن أعداد من تقدموا بذلك لا تتناسب مع عدد ما سقط من التظاهرين".

 

وتابع الأعرجي أنّ "كل الشخصيات والجهات المتورطة بقتل المتظاهرين وقمعهم، لم تولِ أهمية كبيرة لاكتراث المجتمع الدولي بالموضوع، ومسألة تصنيف تلك العمليات جرائم جنائية"، معتبراً أنّ المحاكم الدولية والعقوبات الأميركية "تبقى معنوية، إلا إذا شهدنا تغييراً في خريطة العملية السياسية، وتمّ تشكيل حكومة جديدة، من غير الطبقة السياسية الحالية، فهنا سنرى محاسبة لكل من تورط بقتل وقمع المتظاهرين".

 

وأكّد أنّ "على ذوي شهداء التظاهرات أن يتحلوا بالشجاعة، عبر الذهاب إلى القضاء، لرفع شكاوى ضدّ شخصيات بعينهم، فهذه هي الخطوة التي يمكن فيها أخذ الحقوق".