سومر نيوز.. لا يزال العمل الحكومي وغير الحكومي في العراق يعتبر في أغلبه بيروقراطياً يعتمد على التواصل الشخصي والورقي، في وقت بات العمل يعتمد التقنيات الحديثة والتواصل مع العملاء والشركات والمستفيدين عن بعد.

 

لكن العراقيين يعتبرون أن فيروس كورونا المستجد الذي أعلن عن أولى حالات الإصابة به في مطلع  آذار، لقنهم درساً مفيداً يتمثل بضرورة اللحاق بركب التقدم التقني الذي يشهده العالم من حولهم، لتلافي التوقف عن العمل، وخسارة الوظائف والأعمال، مثلما يحصل اليوم حيث تفرض السلطات حظر تجول بين المدن وبين الأحياء السكنية، وغلق العديد من الأعمال والمكاتب والشركات، الأمر الذي تسبب بشلل كبير في عمل الشريحة الكبرى من المجتمع.

 

وليس جميع المواطنين الذين يعملون داخل شركات ومؤسسات أغلقت أبوابها نتيجة انتشار الفيروس قد توقفوا عن العمل، بل كان استمرار البعض في وظائفهم وإدارة أعمالهم ممكناً من خلال العمل عن بعد.

 

ولأول مرة يجري محاسبون في دوائر حكومية وظائفهم من داخل منازلهم، ويرسلون البيانات والتقارير الخاصة بالحسابات عبر الإنترنت، عادّين هذه التجربة درساً مهماً وضعهم على طريق جديد لم يألفوه من قبل، وفقاً لحسن الزهيري، المحاسب في وزارة التربية.

 

الزهيري الذي أمضى 21 عاماً في الخدمة الحكومية، ذكر أن العمل عن بعد تجربة جديدة يمر بها أغلب الموظفين الحكوميين الذين تسمح لهم طبيعة وظائفهم بإنجاز مهامهم عبر الإنترنت.

 

وأضاف "لأول مرة منذ عملي الحكومي في الحسابات أجري مهمتي من المنزل ويكون تواصلي مع مديري وزملائي في القسم عبر تطبيق "واتساب"، وإرسالاتنا تتم عبر البريد الإلكتروني".

 

ويستلم الموظفون مرتباتهم عن طريق مكاتب الصيرفة والحوالات التي تنتشر في مختلف المدن، عبر بطاقات الدفع الإلكترونية.

 

ومنذ أكثر من خمس سنوات تسعى الحكومة العراقية جاهدة إلى التوسع في الاعتماد على بطاقات الدفع الإلكتروني، لمنح الموظفين رواتبهم، مما يمهد لتقليل التعامل بالعملة الورقية "الدينار".

 

وتتبنى حكومة بغداد خطة لتطبيق مشروع "توطين" (رقمنة) الرواتب، ومخطط الانتهاء منها في العام الجاري.

 

ويعني "توطين الرواتب" تحويل رواتب الموظفين بالقطاعين الخاص أو العام من رواتب يدوية يتم استلامها من دوائرهم إلى استلامها من البنوك والمصارف الحكومية أو الأهلية، وذلك من خلال حساب خاص يفتح للموظف في المصرف ويقوم بالسحب منه بواسطة بطاقة الدفع الإلكترونية، أو بتسلمها نقداً.

 

وقال جمال حسين، الذي يدير مكتباً للصيرفة والحوالات المالية، إن السلطات الحكومية سمحت لمكاتب الصيرفة أن تزاول عملها في وقت توزيع الوزارات الحكومية الرواتب للموظفين.

 

وأوضح أن توزيع الرواتب له أوقات محدودة من الشهر ويسمح لنا أن نفتح مكاتبنا لوقت محدد لنسلم رواتب الموظفين".

 

وعلى الرغم من أن عمل مكاتب الصيرفة والحوالات يتوقف حالياً على توزيع الرواتب، لكن العاملين في مثل هذه المكاتب لم يتوقفوا عن مزاولة أعمالهم من خارج المكتب، عبر العمل عن بعد.

 

حسين قال إن مكتبه الذي يدار من قبل ثمانية موظفين، يتفرغ اثنان منهم فقط للعمل من داخل المكتب في حين يزاول بقية الموظفين عملهم من داخل منازلهم منذ أن أعلنت السلطات حظر التجوال وغلق العديد من المصالح، مبيناً أنه "توجد لدينا تعاملات مستمرة مع شركات ومصارف وتجار ومكاتب تحويل أموال في داخل وخارج البلاد، وهذه كلها تدار عبر الإنترنت، وكان الموظفون يمارسون عملهم هذا من داخل المكتب، لكن نتيجة الوضع الراهن الذي نمر به قررنا العمل عن بعد".

 

واكد أن العمل عن بعد "لم يؤثر على طبيعة العمل الإداري، لكن العمل بشكل عام تأثر وتراجع نتيجة تعطل المصالح".

 

وترتبط العديد من الأعمال اليوم بشكل مباشر بالإنترنت، الذي سهل التراسل والتواصل وجعله مباشراً بين شركات محلية داخل العراق ترتبط بأعمال تجارية مع شركات في بلدان أخرى، وهو ما يمنع توقف إدارة هذه العمال في حال استحال وصول الموظف إلى موقع عمله لسبب ما.

 

دنيا عبد الرحيم، تعمل مديرة علاقات في شركة خاصة للاستيراد والتصدير، تقول إنها تواصل عملها بشكل طبيعي وبدوام كامل عن بعد.

 

وبينت أنها تراسل شركات وعملاء ومستثمرين في تركيا والهند وروسيا والكويت والأردن ولبنان وعدد من البلدان الأوروبية، وتوجه خطابات وتناقش فرصاً استثمارية مع شركات في هذه البلدان، مؤكدة أن "كل هذا يجري وأنا في داخل منزلي".

 

وأضافت أن "مستقبل الأعمال يسير باتجاه العمل عن بعد وانتشار فيروس كورونا والآثار المترتبة عليه من حظر التجول والحجر المنزل له فائدة كبيرة ستظهر لاحقاً، حيث سيكتشف أصحاب الأعمال الخاصة والمسؤولون عن الدولة أن إدارة العمل تتطلب تغييراً جذرياً يساهم في تقليل التكاليف والإنفاق في مقابل الحصول على نتائج عالية".

 

المؤسسات الصحافية لجأت إلى اعتماد العمل عن بعد لأغلب كوادرها، وهي تجربة يراها العاملون في هذه المؤسسات بأنها جديدة وتصب في تعزيز قدراتهم لكونها ممارسة جديدة عليهم بعد أن قضوا في العمل داخل المكتب سنين طويلة، وهو ما أكده الصحافي غسان حامد، مسؤول نشر في موقع إخباري محلي.

 

حامد الذي يمتد عمله في الصحافة إلى 19 عاماً، قال إن أسلوب التواصل مع فريق العمل اختلف كثيراً منذ أن بدأ العمل عن بعد قبل أكثر من أسبوع.

 

وأوضح أن "طبيعة عملنا تتطلب التواصل عن قرب مع فريق العمل لسرعة مناقشة الأفكار والتنفيذ، لا سيما في ما يخص العمل بالمواقع الإخبارية التي تتعامل مع الأحداث المتسارعة أولاً بأول"، مشيراً إلى أنهم يواجهون "صعوبات في سرعة التواصل مع الفريق وبالتالي ينعكس الأمر على التفاعل".

 

لكنه أكد من جانب آخر أن "العمل من المنزل بالنسبة لنا كصحافيين لا يقل شأناً عن العمل في أي مكان آخر، وتحديداً من يعمل في المواقع الإلكترونية ووكالات الأنباء، لأننا لا نحتاج سوى جهاز حاسوب واتصال إنترنت".

 

وبحسب حامد فإن هناك منغصات يواجهها الصحافيون في عملهم عن بعد أهمها كفاءة خدمة الإنترنت والطاقة الكهربائية في المناطق السكنية وهي مشكلة باتت ظاهرة منذ سنوات طويلة في العراق قياساً بأماكن العمل المعتادة الأخرى، حيث تضطر المؤسسات الصحافية إلى توفير شبكات إنترنت سريعة ومولدات كهرباء كبيرة، بتكاليف عالية.

 

لكنه يستدرك قائلاً "بشكل عام العمل من المنزل تجربة مميزة وفرت جهداً بالنسبة لنا وتحديداً في قيادة المركبات وسط الازدحامات الخانقة، وأيضاً هذا النوع من العمل من أهم ميزاته الإيجابية توفير المصروفات بشكل عام وهذا له فائدة كبيرة بالنسبة لأغلب الصحافيين، لا سيما الذين تكون مداخيلهم المالية قليلة".