سومر نيوز.. على باب خيمة أفرغها وباء كورونا من ثوارها في ساحة التحرير، نواة الاحتجاجات العراقية، وسط بغداد، يتناوب على حراستها شبان ولد العديد منهم بعد اقتحام الدبابات الأميركية العاصمة العراقية في 9 نيسان 2003، كتب أحدهم أبرز شعارات الانتفاضة العراقية التي تفجرت في الأول من تشرين الأول الماضي: "نريد وطناً".

 

وإلى جانب الشعار تزيّنت جدران الساحة بصور لشبان من مختلف مكونات البلاد قُتلوا خلال التظاهرات على يد قوات الأمن، كان آخرهم ريمون ريان سالم، الذي سقط في ساحة التحرير ولم يكمل عامه السابع عشر بعد. بعد 17 عاماً لا يرغب كثر في العام الحالي الحديث عن ذكرى سقوط بغداد في 9 إبريل 2003، بكثير من التشاؤم كما جرت العادة في السنوات السابقة، عبر إحصاء ضحايا الغزو الأميركي الذي بدأ في 19 آذار 2003، واستذكار انتهاكاته وما نتج بعده من كوارث ومآس إنسانية ومادية ما زال العراقيون يدفعون ثمنها وصولاً إلى الفترة الحالية التي قفزت فيها معدلات الفقر لمستويات قياسية.

 

يعتبر هؤلاء أن هذا العام، ورغم كل تعقيدات المشهدين السياسي والأمني ومخاوف الصراع الأميركي الإيراني، يحمل بوادر تغيير مهم حصل في العراق في الأشهر القليلة الماضية من خلال الانتفاضة الشعبية، التي أظهرت جيلاً وطنياً ومدنياً عابراً للطوائف ورافضاً لكل أشكال الوصاية الخارجية، وبات يشكل مصدر قلق وتهديد لأحزاب السلطة التي وجدت نفسها مضطرة إلى شراء وده حتى على حساب تقديم تنازلات تتعلق بمصالحها.

 

عام فشل المشاريع الأميركية والإيرانية

 

وعلى عكس السنوات الماضية يحتجب الكثير من عرّابي الاحتلال الأميركي للعراق عن الظهور والإدلاء بآرائهم حول رؤيتهم للبلاد بعد 17 عاماً من هذا الغزو، كما اختفت كلياً مطالبات تحويل هذا اليوم إلى عطلة رسمية بوصفه من المناسبات "الوطنية".

 

وهو الطرح الذي تبنته أحزاب وشخصيات سياسية يرفع بعضها اليوم شعار "مقاومة الأميركيين"، أبرزها "المجلس الأعلى"، و"منظمة بدر"، علماً أنه سبق تقديم الطلب بشكل مقترح إلى البرلمان في دورته الأولى في عام 2006.

 

ومع إعلان أحد أبرز الوجوه بعد الغزو الأميركي للبلاد، موفق الربيعي "صمته الإعلامي حالياً"، تحدث أحمد الفضلي وهو أحد مستشاري مجلس الحكم الانتقالي الذي أسسه الأميركيون بعد الغزو، فقال في اتصال هاتفي من محل إقامته بالولايات المتحدة، إنه "يجد جلد النفس أو مراجعة الأخطاء أمرا غير مجد ولا يمكن أن ينفع بشيء، لذا لا يمكن القول الكثير عن هذا اليوم".

 

وأضاف أن "المستفيد الوحيد من هذا الاحتلال الآن هم الإيرانيون لا العراقيون، وأعتقد أن الأميركيين أنفسهم يتمنون لو أنهم لم يحتلوا العراق"، معتبراً أنه "لا يمكن الحديث عن البديهيات والقول إن العراق كان كذا وكذا وأصبح كذا، لكن بصراحة شاهدنا جيلاً أنظف تفكيراً منا وعسى أن يعيدوا ما ضاع"، في إشارة إلى المتظاهرين.

 

من جانبه، يدافع الوزير الأسبق، القاضي وائل عبد اللطيف، وهو من الوجوه السياسية التي عملت في العراق بعد عام 2003، وشغل مناصب متعددة كمحافظ للبصرة وعضو سابق بمجلس النواب، عن هذه المرحلة بالقول: "لم يكن خطأ أن يُزال حكم فردي شمولي من العراق (يقصد نظام صدام حسين)، وكان الأمل بما بعد عام 2003، ولكن تعجيل الديمقراطية في العراق كان خطأً كبيراً من الولايات المتحدة، التي أصرّت على إجراء الانتخابات عام 2005، وكان العراق غير مؤهل لخوض تجربة ديمقراطية حديثة، وحتى حين كانت هناك أصوات تميل إلى خيار تأجيل الانتخابات البرلمانية الأولى في البلاد، كان هناك من يقول من الأميركيين، والمرجع الديني علي السيستاني، بالمضي باستكمالها".

 

ويضيف أن "هذه الانتخابات المبكرة على العراقيين، دفعت بوجوه فاسدة إلى مناصب مهمة في قيادة الدولة، وهي اليوم نافذة ومتحكمة".

 

وبشأن المرحلة المقبلة، وما إذا كان هناك انفراجة مرتقبة بمستقبل العراق أم لا، يقر عبد اللطيف بأنه يعول على أهمية التظاهرات الجارية منذ أكتوبر الماضي، من أجل ولادة نهضة حديثة تقود البلد.

 

ويكمل: "من الواجب على الشعب استكمال ثورته وتصحيح مسارات الديمقراطية التي فشلت في البلاد، وتحديداً من خلال مفوضية نزيهة للانتخابات عبر استبدالها وإقرار قانون انتخابات جديد، وتطبيق قانون الأحزاب لعام 2013".

 

ويشدّد على أنه "لا بد من تقليص دور الإسلام السياسي والعمل على تقوية إرادة الناخب لصناعة برلمان حر، لأن الأحزاب الحالية لا تستطيع أن تتبنى قاعدة إصلاح إطلاقاً، وباتت حالياً بلا جماهير وليست قادرة على عبور الانتخابات المقبلة.

 

ومن خلال الانتخابات النزيهة ووعي العراقيين، ستضطر هذه الأحزاب إلى مغادرة العمل السياسي، لذلك لا بد للمتظاهرين من تنظيم أنفسهم سياسياً وحزبياً، وهذا ليس عيباً، إذ لا بد من وجود أحزاب جديدة تنافس القديمة التي باتت لا تؤمن بالدستور ولا بالقانون ولا بالوطنية".

 

بدوره، يقرّ القيادي في حزب "الدعوة الإسلامية"، النائب عن الدورة البرلمانية الأولى التي نظمت تحت إشراف القوات الأميركية، صلاح عبد الرزاق، بما يصفها أخطاء ومجموعة من العيوب رافقت تأسيس النظام الديمقراطي أنتجت الوضع الحالي.

 

ويضيف أن "النظام هو نظام مكونات وليس نظام مواطنة، والنظام السياسي اعتمد الديمقراطية التوافقية التي كرّست توزيع المناصب والمسؤوليات بين الطوائف أولاً ثم بين الأحزاب ثانياً. وصارت الأحزاب تتقاسم المواقع والمناصب حتى صار توزيع المناصب السيادية الثلاثة بين المكونات عرفاً سياسياً ثابتاً. وباتت المحاصصة الحزبية والطائفية هي الأساس، رغم تغطيتها بمصطلحات الاستحقاق الانتخابي وتوازن المكونات".

 

ويرى أن "النظام البرلماني الذي جاءت به التجربة العراقية مثّل أسوأ الصور، فرئيس الوزراء يبقى تحت رحمة الأحزاب، ويستجيب لرغباتها وينفذ مطالبها حتى لو كانت ضد مصلحة البلد، لذلك أرى أنه يجب تغييره إلى النظام الرئاسي كي يتخلص من هيمنة الأحزاب عليه".

 

وينوّه إلى أن "الأحزاب السياسية الحالية تعاني من الحالة الأسرية والرمزية، إذ دائماً ما يكون هناك رمز يتحكم بالحزب بجميع مفاصله التنظيمية والمالية، وعادة ما يجري توريث المناصب لأسرة الزعيم، إذ لا توجد انتخابات حزبية إلا لدى أحزاب قليلة".

 

أما بالنسبة لقادة الأحزاب أو ما يُعرف بـ"الزعامات"، فيلفت عبد الرزاق إلى أنهم "متعصبون لمطالبهم خصوصاً في أوقات الأزمات كما يجري حالياً، تحديداً لناحية عدم الاتفاق على مرشح بعد استقالة عادل عبد المهدي منذ خمسة أشهر".

 

ويؤكد أن "عدم إنتاج طبقة سياسية جديدة يعود إلى تمسك الزعامات بالقيادة الحزبية والرمزية، فلا تسمح بصعود قيادات شابة مدربة على العمل السياسي ويمكنها إدارة الدولة، ورغم صعود نسبة كبيرة من النواب الشباب في انتخابات 2018 لكنها تبقى أسيرة قرار الزعيم".

 

أما الباحث إياد الدليمي، فيرى أن "المشروع الأميركي فشل في العراق، وأن المشروع الإيراني الطائفي إلى زوال أيضاً، مشيراً إلى أن "العملية السياسية التي أعقبت الغزو استنفدت أغراضها ولم تعد تقوى على تغيير جلدها بطريقة ترضي العراقيين، هذا غير التحديات الكبيرة التي تواجهها البلاد، سياسياً واقتصادياً، ناهيك طبعاً عن حالة الغليان الشعبي المستمر".

 

ويتابع "بعد 17 عاماً على تأسيس نظام سياسي جديد في العراق بواسطة الولايات المتحدة، وبدعم كامل من إيران، يقف العراق الآن على مفترق طرق، فلا العملية السياسية قادرة على النهوض بأعباء السلطة وتحدياتها، ولا هي قادرة على تغيير أدواتها، خصوصاً في ظل تنازع أميركي إيراني على النفوذ. كل ذلك يجعل من الصعب جداً أن تخرج العملية السياسية من عنق زجاجة أزمات صنعتها بنفسها عندما قامت على مبدأ الإقصاء والتهميش والتبعية للخارج".

 

ويختم الدليمي بالقول "يمكن التحدث بثقة الآن أن هناك وعيا جمعيا قد تبلور، وهو وعي يبدو أنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل المشهد في المرحلة المقبلة، يسعى لتشكيل نواة عراقية بعيداً عن محور إيران وبالمسافة نفسها عن واشنطن. هذا الوعي الذي جسّدته تظاهرات أكتوبر بات عابراً لحدود المناطق وجغرافيا المذاهب، ويمكن وصفه بأنه الأكثر قدرة اليوم على تعرية مشاريع الهيمنة التي طبعت العملية السياسية التي صنعتها الولايات المتحدة، ما يعني أن تلك العملية السياسية التي خلقتها أميركا فشلت وباتت في نزعها الأخير".

 

خسائر بشرية ومادية ما زالت مفتوحة

 

في غضون ذلك، تستفحل المشاكل الاقتصادية والأمنية والاجتماعية في العراق مع تفشّ مخيف في مستويات الفقر والبطالة والأمية، وانتشار رقعة تعاطي المخدرات على نحو غير مسبوق، وسط شلل مزمن في القطاعين الصناعي والزراعي، مع تغوّل سلطة الفصائل المسلحة التي تدين بالولاء لإيران واستمرار ولادة مجموعات جديدة مماثلة لها من ناحية الولاء والنفوذ بالدولة.

 

وفي كل عام يجري العراقيون إحصاء الخسائر البشرية والمادية والمآسي الإنسانية التي خلّفها الاحتلال الأميركي، إلا أن السلطات تواصل ما دأبت عليه في السنوات الماضية لناحية حجب ضحايا سنوات العنف التي أعقبت الغزو الأميركي للبلاد، مع تمنّع وزارتي الداخلية والصحة عن الإدلاء بأي معلومات حول عدد الضحايا، ليبقى الموضوع محصورا بتسريبات لمسؤولين في الوزارتين أو تخمينات المراقبين وهي بالعادة تفتقر للدقة، أو تخضع لعوامل واعتبارات سياسية مختلفة.

 

ويقدر مسؤول في وزارة الصحة ببغداد ضحايا الغزو الأميركي وما جرّ من معارك وحروب وعمليات إرهابية ومليشياوية وعنف طائفي بأكثر من 650 ألف ضحية وقرابة المليون وربع المليون جريح ومصاب.

 

ويفصّل الوضع بأن أغلب الضحايا سقطوا في موجتي عنف، الأولى بين عامي 2003 و2008، والثانية بين عامي 2014 و2017.

 

وتتصدر بغداد، قائمة أكثر المدن ضحايا تليها الأنبار ثم ديالى ونينوى وبابل وصلاح الدين والبصرة وذي قار. ويضيف أن "الضحايا سقطوا على يد القوات الأميركية والجماعات الإرهابية مثل القاعدة وداعش، والمليشيات المسلحة المدعومة من إيران".

 

ويحسب للعام الحالي أنه سجل أقل عدد ضحايا منذ عام 2003، رغم سقوط قرابة 700 ضحية من المتظاهرين بنيران قوات الأمن وجهات مجهولة تنصّلت الحكومة من وعودها في الكشف عن هوياتها. في المقابل، يبقى ملف المغيبين والمختطفين مفتوحاً في العراق منذ عام 2003، مع اختفاء عشرات آلاف العراقيين، منهم من اعتُقل على يد القوات الأميركية ولم يعثر له على أثر، وآخرون على يد الجماعات الإرهابية والمليشيات المسلحة. وتراجع عدد النازحين داخلياً هذا العام إلى مليون وربع المليون مواطن، في مقابل هجرة بين 5 و6 ملايين عراقي منذ عام 2003.

 

من جانبه، يتحدث عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، علي البياتي، عن تصاعد مستمر في أعداد المعوّقين والأرامل واليتامى، وكذلك مؤشر الفقر من خلال إحصاءات وزارة التخطيط، إذ إن آخر مؤشر يشير الى أن 22 في المائة من العراقيين تحت خط الفقر، وأن عدد المعوّقين في البلاد حتى عام 2018 بلغ 1.117 مليون شخص، وعدد الأرامل 1.939 مليون شخص، واليتامى نحو 5 ملايين شخص.

 

أما إحصاءات وزارة البلديات غير المعلنة، فتشير إلى أنه تم تدشين وتوسعة نحو 300 مقبرة في البلاد، خلال السنوات الـ17 الماضية، وهو عدد أكثر من ثلاثة أضعاف ما تم افتتاحه بنفس المدة من مشاريع ترفيهية وثقافية في البلاد.