سومر نيوز.. يتعدى الكباش الإيراني الأميركي في العراق الظاهر السياسي والأمني، وحتى الاقتصادي منه، إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.

 

 إذ تؤشر تقارير صادرة عن مكتب الأمن الوطني العراقي، ضمن ما يعرف بـ"وحدة الرصد"، على بروز ظاهرة الصفحات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديداً منصة "فيسبوك"، وتحمل عادة أسماء مدن أو عبارات عراقية شعبية استقطبت مئات الآلاف من المتابعين العراقيين، وهي تقوم بصناعة محتوى خاص بها في الصورة والفيديو والمنشورات الخبرية، مع الاعتماد على مراسلين.

 

وتتبنى بعض تلك الصفحات معسكراً معادياً للنفوذ الإيراني في العراق، وترصد الفساد والانتهاكات وحالة الفشل في مؤسسات الدولة العراقية، وتطرح مقارنات بين الوضع العراقي ووضع دول أخرى مجاورة، بعضها خليجية وأخرى أجنبية، فضلاً عن التركيز على مسألة فوضى الجماعات المسلحة وانفلات السلاح وتناول قصص تحثّ على وحدة المجتمع العراقي ونبذ الطائفية والعنصرية.

 

في المقابل، تتبنّى صفحات أخرى معسكراً مغايراً تماماً للأول، يتبنى الخطاب الإيراني في البلاد، وينقل بطولات الحشد ومحور المقاومة الإسلامية، وجرائم الاحتلال الأميركي في العراق بالسنوات السبع عشرة الماضية، ومستجدات ما يتعلق بذلك، حتى صار يبثّ الخطب المباشرة لزعامات دينية وسياسية في هذا الإطار، وهي خطب "تحرص" على اعتماد نظرية المؤامرة في كل ما يجري بالعراق.

 

ووفقاً لمسؤول عراقي في مستشارية الأمن الوطني، التي أسست أخيراً وحدة رصد ومتابعة، تستهدف الصفحات الأكثر جذباً من الجمهور العراقي، بعد نجاح العديد منها وتفوقها على كثير من المؤسسات الإعلامية المحلية كالفضائيات ووكالات الأخبار، هناك ما لا يقلّ عن 40 صفحة عراقية متفرقة على منصة "فيسبوك"، يتابعها أكثر من 20 مليون عراقي، تتلقى دعماً مباشراً أو غير مباشر من جهات خارجية، أغلبها أميركية وإيرانية، من خلال واجهات مختلفة وبطرق متعددة.

 

وكشف المسؤول أن متابعي صفحة واحدة على "فيسبوك" في اليوم الواحد، قد تعادل متابعي محطتين فضائيتين عراقيتين وأكثر من 3 مواقع إخبارية تُصرف عليها مبالغ كبيرة من قبل القائمين عليها، وهو ما تنبّهت له أيضاً قوى سياسية وأحزاب صارت تتنافس على مخاطبة قواعدها أو الجمهور المستهدف من خلال تلك الصفحات.

 

وأضاف أن "الكباش الأميركي ـ الإيراني في العراق، انتقل من المحطات الفضائية والصحف والمواقع الإخبارية المحلية، التي كانت تنفق عليها مبالغ كبيرة، إلى منصات التواصل الاجتماعي، وتحديداً فيسبوك. والمنصة لم تعد عفوية تماماً، كما كانت بالسابق، وهذا واضح، فهناك عملية صناعة محتوى في تلك الصفحات تؤكد أن القائمين عليها ليسوا مجرد هواة أو ناشطين، بل موظفون".

 

وعلّل ذلك بالانتباه نحو موقع "فيسبوك" كمحرّك في التظاهرات العراقية وصانع ضغط، دفع الحكومة والأحزاب في مرات كثيرة إلى الدفاع عن نفسها، بسبب الأخبار والمحتويات التي نُشرت على صفحات عدة في المنصة الأكبر والأوسع بالعراق.

 

من جهته، أوضح عضو هيئة الإعلام والاتصالات في العراق، المؤسسة الحكومية الرسمية المعنية بقطاع الإعلام والمعلومات، سالم مشكور، أن "موقع "فيسبوك بات منذ أشهر عدة ساحة لصراع سياسي بالإنابة، والمحوران الرئيسيان هما الإيراني والأميركي، لأن التطبيق بات أداة بيد جهات متعددة. لذلك، تعمل لجنة الحجب الإلكتروني على التكفل بمهمة إغلاق بعض الصفحات عبر وزارة الاتصالات والهيئة. كذلك تتواصل السلطات مع شركة فيسبوك".

 

وأضاف أنه "في العراق لا يوجد قانون للجرائم الإلكترونية يمنع التحريض، وإقراره أمر مهم لمنع المسّ بخصوصية الناس، أو التشهير بالعقائد ومعاقبة منتهكي حرية الإعلام ومستغليها، وإيجاد مثل هذه القوانين لا يعني تحجيم حرية الرأي، بل حمايتها وتنظيمها، ولا سيما مع تطور محتوى مواقع التواصل الاجتماعي، إلى الحد الذي كشف مستوى مرتفعاً من الإقصائية في التفكير والوعي والخطاب".

 

بدوره، أكد النائب عن تحالف الفتح كريم عليوي أن "قنوات فضائية وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي ممولة من الخارج، تسبب التوتر والفوضى التي تحدث في العراق، عبر بثّ السموم بصورة متواصلة من خلال نقل أخبار زائفة واستضافة محللين وباحثين طائفيين وغير حياديين، وقد طالبنا الحكومة بحجبها ومنع استمرار عملها".

 

ورداً على سؤال عما إذا كان للسفارة الأميركية علاقة بدعم صحافيين لتأسيس جبهات ضد الأحزاب المقربة من إيران، أكد عليوي أن "السفارة تسعى إلى خراب العراق، فهي تستهدف كل الأحزاب الوطنية، وليس فقط القوى الصديقة لإيران".

 

من جانبه، أشار عضو لجنة الاتصالات والإعلام في مجلس النواب، علاء سكر، إلى أن "الساحة الإعلامية في العراق تنعم بفضاء عالٍ من الحرية، وبالتالي هناك وجهات نظر متعددة، ونحن ندعم مفهوم حرية التعبير في البلاد، على ألا تتحول أراضينا إلى ساحة للتقاتل بين الأقطاب الدولية المتصارعة".

 

وأوضح أن "مسوّدة قانون جرائم المعلوماتية الذي ناقشه البرلمان العراقي أكثر من مرة، والمفترض أن يحكم عمل وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية، لم تكن مرضية لبعض الأطراف السياسية، وكان هناك عرقلة على إقرارها ومن ثم على عملية تحسينها وإقرارها، بسبب الخوف على ملف تكميم الأفواه، ولكن بطبيعة الحال نحتاج إلى ضبط الفضاء الإلكتروني بما يتناسب مع مصلحة العراقيين".