سومر نيوز: بغداد.. من جديد، عاد قانون العنف الأسري إلى الواجهة، إثر واقعة الشابة ملاك في محافظة النجف، وتصاعد العنف ضد المرأة بسبب الحجر المنزلي المفروض جرّاء وباء كورونا، فيما طالبت أوساط حقوقية بتشريع القانون، بأقرب وقت، للحد من تلك الحالات.

وشهدت محافظة النجف، حادثة مؤلمة لفتاة من مواليد 2000، تعرضت للحرق في منزل زوجها، فيما تحوم اتهامات ضد الزوج الضابط الذي قالت مصادر قريبة من الحادثة انه متهم بمنع زوجته من زيارة أهلها منذ 8 أشهر، سبقها قبل عدة أيام حادثة اغتصاب بشعة تعرضت لها مرأة في محافظة كركوك.

هذه الحوادث أعادت المطالبات من ناشطين وحقوقيين بضرورة تشريع قانون العنف الأسري للحيلولة من تكرار عشرات الحوادث المماثلة.

هل يغيب المشرع العراقي عن الواقع؟

لأسباب مختلفة، عجز المشرع العراقي عن انتاج قانون يحمي المرأة والطفل في العراق رغم كثرة الحوادث، لا سيما ما يتعلق بمقتل عشرات النساء تحت مسميات وتبريرات عدة، منها جرائم الشرف، الموت المفاجئ، ليتمكن من الإفلات من العقوبة.

في الدورات البرلمانية السابقة، لم تنجح جهود القوى المدنية والشعبية ولا أصوات بعض النواب الذين لم يتخطّ عددهم الخمسة طوال الأعوام الماضية، في تمرير قانون “الحماية من العنف الأسري” بسبب تعنت بعض الأحزاب الدينية، التي اعتبرته يتعارض مع مبادئ الدين الإسلامي.

وفي هذا السياق تقول الناشطة بقضايا حقوق المرأة صبا عودة إن قانون العنف الأسري مركون في رفوف البرلمان منذ عشرة أعوام بسبب رفض بعض اللجان تشريعه.

وأضافت عودة أنه “على الرغم من أن العمل على تشريع قانون مناهضة العنف الاسري بدأ منذ عام ٢٠١٠، إلا أنه واجهه الكثير من العراقيل بسبب رفض بعض اللجان البرلمانية لعدد من فقراته”، مطالبة ” الجهات المختصة في مجلس النواب، مثل لجنة حقوق الانسان، اللجنة القانونية ولجنة المرأة والطفولة بالعمل الجاد والاسراع على إقرار قانون مناهضة العنف الاسري بسبب ازدياد حالات العنف في العراق وعدم وجود قانون يحاسب مرتكبي هذه الجرائم”.

من جهتها قالت الدكتورة ندى العابدي في مقابلة تلفزيونية إن “العقد النفسية تساهم في زيادة تلك الحالات، خاصة وأن مجتمعنا العراقي مرّ بتحولات عديدة، على مستوى الحروب والإنحدار الاقتصادي والتهديدات التي يعاني منها الرجل”.

وأضافت ان “وسائل التواصل الاجتماعي عززت الريبة والشك وعدم الثقة بالمرأة، حيث نسمع العديد من قصص الخيانة الزوجية، بسبب العالم المفتوح الذي يضج ويعج بالكثيرين، بالتالي هذا قلل من الثقة بين الرجل والمرأة، وخلق لديه مجموعة من الشكوك التي تجعله يعيش في دوامة الشك”.

وأشارت إلى ان “قانون العنف الاسري تم تسيسه بسبب الصراعات الحزبية، ولو كان موجوداً لكان رادع للمرضى النفسيين”.

وفي سياق الحوادث التي تعرضت لها “حوّاء” أقدمت شابة أمس، على الانتحار شنقا في منزلها غرب العاصمة بغداد.

وقال مصدر أمني إن “فتاة من مواليد عام 2000 أقدمت على الانتحار بشنق نفسها بحجابها الموصول بالمروحة السقفية داخل منزلها في منطقة حي العامل غرب بغداد”.

وأضاف المصدر أن “الفتاة صعدت على كرسي، وربطت الحجاب في مروحة سقفية، ثم لفته حول رقبتها، لتتدلى منه، قبل أن يعثر ذووها عليها مفارقة الحياة”.

المؤشرات الحكومية غير كافية

الصحفية منار عبد الأمير أكدت في مقابلة صحفية أن “حالات العنف زادت ضد النساء في الآونة الاخيرة، لا سيما العنف الأسري الذي تعاني منه المراة والطفل”.

وتابعت عبد الامير أنه “لايمكن الاعتماد على المؤشرات الحكومية المسجلة لدى مراكز الشرطة، أو مديريات حماية الاسرة، على اعتبار أن هذه الأرقام خاصة بالإبلاغ، وثمة حالات كثيرة أخرى لم يتم الابلاغ عنها”، مشيرة إلى أن هنالك “نساء دفعن حياتهن ثمناً للعنف الاسري، وبدون أن يعرف أحد بقصصهن وتقيدت وفياتهن بمجهول أو وفاة طبيعية”.

وعن قضية ملاك في محافظة النجف تقول الصحفية المهتمة بقضايا المراة إنها “واحدة من الحالات التي حالفها الحظ وظهرت إلى الإعلام، فهنالك مئات الحالات المماثلة، لكنها لا تظهر، تحت مختلف الذرائع”.

بدورها، طالبت لجنة المرأة والاسرة النيابية، السلطات الثلاث بالإسراع في إقرار قانون مكافحة العنف الأسري لحماية المرأة ومنع ما تتعرض لها من أعمال عنف.

وقالت اللجنة في بيان، إن “لجنة المرأة والاسرة والطفولة النيابية باعتبارها ممثلة عن شريحة المرأة وجزءا من واجبها الرقابي والقانوني والمهني، تطالب  الرئاسات الثلاثة والحكومة والمنظمات الدولية والنسوية الى تبني حملة وطنية واسعة وفعالة لمنع العنف الأسري ضد المرأة باعتبارها نصف المجتمع وتتحمل مسؤوليات وضغوط كبيرة في مختلف شؤون الحياة والأسرة”.

ونبهت اللجنة إلى أن “الإجراءات التي اتخذتها خلية الأزمة في فرض حظر التجوال ألقت بظلالها على المرأة وحماية أسرتها من خطر الإصابة بالوباء سواء كانت زوجة أو أم أو أخت أو بنت”.

و جددت اللجنة “دعوة الرئاسات الثلاث الى توفير الدعم القانوني والحكومي للمرأة  من خلال إعداد مشروعات من شأنها دعمها واسنادها وحمايتها اسريا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا”.

وأكدت على “التزامها بحماية المرأة ووقوفها معها لتحقيق تطلعاتها وحمايتها وتوفير احتياجاتها المشروعة ضمن القانون والدستور في الحصول على فرص عمل ووظائف تمكنها من الاستقلال المالي والاقتصادي لتوفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة والعيش بثقة وكرامة وعز ورخاء”.

ما هو قانون العنف الأسري؟ 

في أيلول الماضي، أعلن رئيس الجمهورية برهم صالح الانتهاء من إعداد مشروع قانون “العنف الأسري” وإرساله إلى مجلس النواب بغية تشريعه.

وقال حينها إن  “الهدف من مشروع القانون هو حماية الأسرة من العنف الذي يقع على أحد أفرادها… وخاصة النساء والفتيات والأطفال على نحو يضمن دفع الأذى عن العائلة ومناهضته كونه يتقاطع مع قيمنا الاجتماعية والمفاهيم الدينية والقرآنية التي حثت على احترام حقوق النساء”.

وأوضح أن “مشروع القانون عدّ العنف الأسري جريمة يحاسب عليها القانون وبالتالي هو إلغاء لكل تشريع سابق يبيح ممارسة العنف مثل حق الضرب وغيره”، لافتاً إلى أنه “أشار كذلك إلى تشكيل لجنة عليا لمناهضة العنف… للوقاية من أشكال العنف الأسري كافة”.

وتنص المادة 41-1 من قانون العقوبات العراقي المعدل لسنة 1969 على أنه “لا جريمة اذا وقع الفعل استعمالاً لحق مقرر بمقتضى القانون ويعتبر استعمالاً للحق في (تأديب الزوج لزوجته وتأديب الآباء والمعلمين ومن في حكمهم الأولاد القصر في حدود ما هو مقرر شرعاً أو قانوناً أو عرفاً).

وبيّن صالح أن “مشروع القانون نص على تشكيل مديرية حماية الأسرة تتولى البحث والتحقيق في شكاوى العنف الأسري وتشكيل محكمة متخصصة بالأسرة تتولى التحقيق في قضايا العنف الأسري”، مشيراً إلى أن “مشروع القانون منح القاضي المختص حق إصدار قرار حماية للضحية وإيداعها في المراكز الأمنية إذا استشعر أن هناك خشية على حياتها وسلامتها، كما ألزم المشروع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بإنشاء المراكز الآمنة لضحايا العنف الأسري في عموم محافظات العراق وتقديم الدعم والمساعدة للضحية من خلال توفير العلاج، وإعادة تأهيلها نفسياً”.

وتشير تقديرات رسمية سابقة إلى أن واحدة من كل 5 سيدات في العراق تتعرض للعنف الأسري البدني. وخلال العام 2012، أبلغت 36% من الزوجات العراقيات على الأقل بتعرضهن لأذى نفسي من أزواجهن، فيما تعرضت 23% منهن لإساءة لفظية و6% لعنف بدني و9% لعنف جنسي.

ويعد الانتهاء من مشروع القانون خطوة مهمة، لكن معركة التشريع لا يتوقع بأن تكون هينة لاسيما في ظل النفوذ القوي للسلطة الدينية في العراق وتشدد الأحزاب الدينية في مواجهة بعض ما يسنّه هذا التشريع.

وكانت المسودة الأولى التي تحمل اسم هذا المشروع قد طُرحت قبل 8 سنوات، في عام 2012 بينما بقي معلقاً في مجلس النواب منذ عام 2015، وحالت الأحزاب الدينية دون مناقشتها، على الرغم من أن جماعات حقوقية اعتبرتها غير مثالية وغير منصفة بالقدر الكافي للمرأة..

قصة ملاك وتعدد الروايات!!

ملاك الزيدي (20 عام) متزوجة من محمد المياحي وهو ضابط عسكري، والده حميد قائد بالجيش العراقي، انشرت قصتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن طريق اختها سارة التي نشرت صوراً وفيديو توثق معاناة أختها بعد تعرضها للحرق متهمة الزوج بانه المسؤول عن الحادثة، لأنه كان يمنعها من زيارة أهلها منذ 8 أشهر، ويمنع أهلها وصديقاتها أيضا من زيارته، مؤكدة على أنها تملك أدلة “رسائل الكترونية” تثبت تعرض الضحية للعنف من قبل زوجها وعائلته.

لكن زوج الضحية تحدث عن رواية أخرى، قال فيها إن زوجته هي من أحرقت نفسها، وأنه حاول مساعدتها ونقلها للمستشفى، دون أن يشير للأسباب التي دعتها لفعل ذلك، نفس الموقف اتخذته والده محمد، حين ظهرت بتصوير فيديو قالت “إنها صدمت بالحادثة، ولم تكن تعرف سبب فعلتها”.

وناقضت هذه الرواية رواية أخرى، قالها محمد في وقت سابق إن “جهاز الطبخ انفجر على زوجته، ما أدى إلى احتراقها”.

وهو الامر الذي ترفض عائلة ملاك تصديقه، حيث قالت والدة ملاك في مقابلة مع قناة الشرقية ان “ابنتي ظلمت وتأذت من بيت رجل قانون”، مشيرة إلى ان “الروايات التي تتحدث عن أن ابنتها هي من انتحرت، الضغط يولد انفجار، وهي طفلة والضغط شديد، وأب الزوج وأمه واخوته على دراية بالضغط الممارس على ابنتي”.