سومر نيوز.. على الرغم من إقرار المسؤولين العراقيين طيلة السنوات الماضية بمعاناة المؤسسات الأمنية والعسكرية، من آفة الفساد المالي المتفشي في مفاصلها وتضمينه كأحد الأسباب الرئيسية لسقوط مدينة الموصل ومدن عدة شمال وغربي البلاد بيد تنظيم "داعش" عام 2014، إلا أن مسؤولين عراقيين وأعضاء في البرلمان كشفوا تجاهل رئيس حكومة تصريف الأعمال عادل عبد المهدي تقارير رُفعت تباعاً إلى مكتبه منذ منتصف تشرين الأول الماضي، عقب تفجّر الاحتجاجات الشعبية في البلاد.

 

وتُشخّص هذه التقارير حالة تضخم ثروات المحققين في وزارة الداخلية وأجهزة الاستخبارات بشكل غير منطقي، وترصد امتلاك ضباط الشرطة واستخبارات الجيش المسؤولين عن عمليات التحقيق مع المتهمين بقضايا الإرهاب والمخدرات والأنشطة المصنفة ضمن الجريمة المنظمة، منازل فخمة وإدارة أعمال تجارية واسعة.

 

يحصل ذلك مع تصاعد الجدل في العراق بعد قرار لهيئة التحكيم اللبنانية بفرض غرامات على وزارة الدفاع العراقية، بقيمة تتجاوز 15 مليون دولار لصالح شركة لبنانية في قضية مخالفة عقد بين الجانبين.

 

وأكدت وزارة الدفاع في وثيقة نشرتها وسائل إعلام محلية إحالة القضية إلى هيئة النزاهة مع عدد من الضباط المتورطين بالقضية، أحدهم تبين أنه متعاون مع الشركة الخصم بعد إحالته على التقاعد.

 

من جهته، كشف مسؤول في بغداد تلقّي رئيس حكومة تصريف الأعمال قبل استقالته بنحو شهرين، تقارير عدة، أحدها من نواب ينتمون للتيار الصدري، تحدّث عن خطورة التحقيق في وزارة الداخلية ووزارة الدفاع، تحديداً الاستخبارات، إذ تم رصد حالات ثراء كبيرة لعدد غير قليل من الضباط المحققين، لا تتناسب مع رواتبهم ولا وضعهم الاجتماعي الذي سبق تسلّمهم مناصبهم. وهو شبيه بما يحدث مع ضباط الجمارك ومفتشي المنافذ الحدودية بين المحافظات أو البرية مع دول الجوار.

 

ويؤكد أن الخشية الكبرى أن يؤثر الفساد على الجانب الأمني من خلال إطلاق سراح مجرمين أو إرهابيين مقابل مبالغ مالية. ويلفت إلى أنه لحسابات مجهولة، فإن عبد المهدي لم يتخذ أي إجراء لمعالجة القضية. كما أن حل مكاتب المفتشين العموميين في وزارتي الدفاع والداخلية من قبل البرلمان فاقم الموضوع.

 

وأضاف أن "هناك تغاضيا واضحا عن أنشطة شبكات جريمة وتهريب مخدرات وتجارة بالممنوعات، كالمشروبات الكحولية في مدن جنوب العراق ووسطه وغربه، يُعتقد أنها ناجمة عن فساد مالي أو وجود ضباط غير أكفاء وصلوا لمراكزهم بفعل الواسطة".

 

بدوره، يقرّ رئيس لجنة الأمن والدفاع البرلمانية السابق حاكم الزاملي، بأن "ضباطاً وقادة بالأجهزة الأمنية الرسمية باتوا من أثرياء العراق، بسبب انغماسهم في ملفات فساد، منها ما يرتبط بتهريب المخدرات والتكفل بالحصول على درجات وظيفية لعراقيين من خلال رشاوى بالملايين، فضلاً عن إطلاق سراح إرهابيين مقابل أموال".

 

ويعتبر أن "تنقية الأجهزة الأمنية في العراق تنعكس على عمل بقية الوزارات ومفاصل الحياة والحياة الاجتماعية، والتصدي للفاسدين في السلك الأمني والعسكري يحتاج إلى شجاعة وقرار لا سيما أن الكثير من الضباط الفاسدين مرتبطون بالأحزاب والكيانات السياسية النافذة في البلاد".

 

ويشير الزاملي إلى أن "الملف الأمني شائك ومتراكم ويحوي على فساد وترهل بالمناصب، وهناك تلاعب بالأموال واختلاسات كبيرة بعقود التجهيز والتسليح والاستخبارات والمتابعة"، لافتاً إلى أن "من واجبات ومهمات رئيس الوزراء الجديد، إعادة النظر وتقييم القادة والمسؤولين الأمنيين من خلال متابعتهم، لأن الإصلاح في العراق يبدأ من إصلاح المنظومة الأمنية".

 

 وبرأي الزاملي، "مصطفى الكاظمي قادر على إجراء الإصلاحات المرجوة، لأنه ابن المؤسسة الأمنية، ولكن في البداية يحتاج إلى ضرب رؤوس الفساد واختيار وزراء أكفاء".

 

مع العلم أنه في نيسان من العام الماضي، أقال وزير الداخلية ياسر الياسري ثلاثة من كبار الضباط المسؤولين عن أمن بغداد من مناصبهم، ونقلهم إلى مواقع أدنى بعد فرار جماعي لـ15 موقوفاً من مركز مكافحة المخدرات الذي يضم سجناً يحتجز فيه متهمون بالمتاجرة بالمخدرات، وهو ما دفع بمسؤولين إلى الاعتراف بتواطؤ منتسبين إلى الأمن مع مجرمين ومهربين، مقابل الحصول على أموال ونسب من تجارات مشبوهة.

 

في غضون ذلك، يكشف النائب عبد الأمير تعيبان، أن "الفساد المالي موجود في غالبية أجهزة الدولة والمؤسسات الحكومية، وهو أمر مرفوض طبعاً، لكن أن يتوسع هذا الفساد حتى يصبح ظاهرة في الأجهزة الأمنية، فالأمر عندها يحتاج إلى عمل حكومي دؤوب".

 

 ويوضح أن "استمرار عدم محاسبة المفسدين في الأجهزة الأمنية والعسكرية، يعني أن المواطن لن يمنح الثقة للضابط في الشارع وفي المؤسسات الرسمية، ما سيؤدي إلى مشاكل اجتماعية وأمنية يكون الضابط غير قادر على حلها، لأن هيبة الدولة تذهب مع ذهاب هيبة العنصر العسكري".

 

أما النائب علي البديري، فيعتبر أنه كانت هناك نية عند عبد المهدي في فتح ملفات الفساد وكان جاداً في ذلك، إلا أن الأحزاب لم تمنحه الفرصة ومن ثم بدأت التظاهرات ولم يسعفه الوقت.

 

ويلفت إلى أن "الكاظمي أمام مهمة كبيرة، ومن واجبه فتح كل هذه الملفات، ولن يواجه أي معارضة حزبية أو برلمانية إذا صمّم على محاربة الفساد بجدية ومن دون استثناء أحد".

 

وعلى وقع التظاهرات الشعبية التي اشتدت خلال الأشهر الماضية، وتراجعت خلال الأسابيع الماضية بسبب انتشار فيروس "كورونا"وقبلها بسبب اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، مرر البرلمان قانون "الكسب غير المشروع"، المعروف باسم "من أين لك هذا؟"، بعد نحو 3 سنوات من الشد والجذب بين الكتل السياسية بسبب بعض فقراته، التي تتناول صلاحيات هيئة النزاهة والمحاكم المختصة في تتبع أصول أموال المشتبه به وأقربائه، ومخاطبة المصارف للكشف عن الذمم المالية، بالإضافة إلى بند تطبيق القانون بأثر رجعي منذ عام 2003 وحتى الآن.

 

وبحسب بنود القانون، فإنه من المفترض أن يسري على جميع المواطنين كما باقي القوانين الأخرى، غير أنه في الواقع، تمّ إنشاؤه أو إقراره خصيصاً للطبقة السياسية الحاكمة على وقع التظاهرات كإجراء إضافي للتخفيف من حدة نقمة الشارع.

 

كما يتضمن القانون نحو 20 بنداً، أبرزها متابعة أموال موظفي الدولة من رتبة مدير عام وما فوق، وتعتبر أن أي أموال يمتلكها لا تتناسب مع راتبه الرسمي "شبهة"، ويتم التحقيق فيها تلقائياً، إلا أن الكثير من المراقبين في العراق يشككون بإمكانية تطبيقه.

 

من جهته، يعتبر المحلل أحمد الحمداني، أن الفساد موجود في كل مؤسسات العراق، لكن قد يكون مجال التحقيق والأقسام الأمنية المرتبطة بالمجرمين ومهددي الأمن أكثر خطورة وحساسية.

 

ويضيف أن الملف موجود وتنامى في حكومة نوري المالكي الثانية (2010 ـ 2014)، وبات ضباط التحقيق من الطبقات الثرية بالمجتمع، ولا أحد يسأل أو يحاسب.

 

ولعلّ الموضوع مرتبط بالانهيار الأمني وانتشار الجريمة المنظمة في العراق أيضاً، مشدّداً على أن الحكومة الجديدة بحاجة إلى دراسة شاملة لهذه القضية تحديداً، فهي من أكثر ملفات الفساد خطورة في العراق.