سومر نيوز.. لم يكد العراقيون ينتهون من معاناتهم مع "المخبر السري"، والذي اعتمدت عليه حكومتا نوري المالكي الأولى والثانية بين 2006 و2014 (إذا حصرنا الحديث في مرحلة ما بعد 2003) لشنّ حملات اعتقال واسعة وزجّ الآلاف داخل السجون بتهم مختلفة، حتى عاد من جديد الحديث عن عودة التعامل مع المخبر في بعض القضايا، ونشاطه مجدداً في بعض المناطق، الأمر الذي أثار تخوفاً بين الأهالي، وسط تحذيرات من مغبة ذلك.

 

ونجح مجلس القضاء الأعلى في العراق في العامين الماضيين في الحد من فاعلية المخبر السري المعتمدة لدى مراكز الشرطة وقوات الجيش من خلال تفعيل العقوبات على التهم الكيدية، وعدم الاعتماد على الوشايات بلا أدلة في إصدار مذكرات القبض، ضمن عملية مراجعة شاملة للملف بين عامي 2017 و2018، بعد سنوات من اعتماد هذه الآلية من قبل قوات الأمن، والتي تسبّبت بآلاف أحكام الإدانة المبنية على وشايات غير صحيحة.

 

لكنها سرعان ما عادت مرة أخرى للظهور في مدن مختلفة لا سيما المحررة من سيطرة تنظيم "داعش"، وأثارت صور نشرَها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، لأحد ضحايا المخبر السري وهو يجلس على رصيف منزله الذي عرضه للبيع بسبب وشايات المخبر، جدلاً واسعاً حول سبب عودة الظاهرة واعتماد الأجهزة الأمنية مرة أخرى عليه، على الرغم من تشديد القضاء على وقف التعامل مع هذه الآلية.

 

وأقر مسؤول عراقي رفيع في بغداد، بما وصفه اجتهادات شخصية من قادة في الجيش ومديري مراكز شرطة وقيادات في فصائل الحشد الشعبي في مدن مختلفة، خصوصاً الأنبار ونينوى وديالى، بالاستعانة بمخبرين سريين من أهالي المناطق ذاتها، مشيراً إلى أن هناك توجيهات عليا بتفعيل التعاون الاستخباري بين الأهالي والقوات الأمنية لملاحقة وتتبّع خيوط تنظيم "داعش"، لكن بعض القادة وبناءً على اجتهاد منهم قاموا بالاستعانة بمخبرين سريين، على الرغم من أنه في العادة تُنقل معلومات غير دقيقة من المخبرين بناءً على أحقاد أو مشاكل قديمة، بينها شخصية وأخرى عشائرية، وبعضها للتقرب وكسب ود مسؤول أو ضابط الأمن.

 

وأكد المسؤول أن القضاء العراقي بات الآن أكثر تفهماً لمن تتم إحالتهم إليه بناء على معلومات المخبر السري، مشيراً إلى أن هذا النظام "آلية اختُرعت في زمن رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي وبسببها زج بآلاف الأبرياء في السجون وبعضهم أعدم، ولا يمكن القبول بإعادته الآن في مثل هذه الظروف"، كاشفاً عن ورود شكاوى عدة بشأن الموضوع في الفترة الماضية لا سيما من الأنبار ونينوى.

 

ويحذّر نواب وسياسيون من خطورة إعادة العمل مع المخبر السري في الملف الأمني، لما تترتب عليه من آثار تنعكس على علاقة الأجهزة الأمنية بالمواطنين والثقة بينهم.

 

وقال النائب عن محافظة ديالى رعد الدهلكي، إن "التعامل من جديد مع المخبر السري يعني فشلاً كبيراً في العمل الحكومي والمؤسساتي"، موضحاً أن "أيام الانتقام والاعتقالات العشوائية التي نُفذت بسبب وشايات المخبر السري، لم تكن لها أي إيجابيات على الملف الأمني، ومحافظاتنا عانت الكثير خلال السنوات الماضية من بلاغات المخبر السري".

 

وأشار إلى أن "الأجهزة الأمنية استطاعت خلال السنوات الأخيرة أن تعيد بناء الثقة بينها وبين الشارع"، محذراً من أن "هذه الثقة ستهدم في حال عودة التعاون مع المخبرين السريين، ما ستكون له نتائج سلبية على الملف الأمني"، داعياً إلى "اتخاذ خطوات وقرارات تمنع أي عودة لنشاط المخبر السري، حفاظاً على ما تم تحقيقه في السنوات الأخيرة".

 

من جهته، حذر النائب السابق عن محافظة الأنبار حامد المطلك، من الآثار السلبية لعودة المخبر السري على المجتمع.

 

وقال المطلك، "الحكومة ورئيسها مطالبون بأن تكون لديهم برامج تتماشى مع حقوق الإنسان، وألا يكونوا بعيدين عن معاناة العراقيين وعن أسبابها"، مشيراً إلى أن "المخبر السري هو جزء من معاناة وظلم وقعا على عاتق المواطنين، تتحمل وزره الحكومات التي قمعت الكثير من أبناء الشعب عن طريق المخبر، بعد العام 2003".

 

وأشار المطلك إلى أن "معاناة الشعب ما زالت شاخصة بسبب المخبر، إذ إن الكثير من السجناء والمغيبين يرزحون حتى اليوم داخل السجون بسبب وشايات المخبر الباطلة، كما أن هناك من ضدهم أحكام بالإعدام بسبب تلك الوشايات"، معبراً عن أسفه من "عدم اتخاذ أي إجراءات قانونية بحق المخبرين الذين ثبت بطلان وشاياتهم ودعاواهم الكيدية، على الرغم من المناشدات والمطالبات الكثيرة الموجّهة للقضاء بإصدار عقوبات بحق كل من يثبت بطلان وشايته".

 

ورأى أن "عودة هؤلاء المخبرين تؤشر إلى أن القوى السياسية تريد العودة إلى لعب الدور نفسه الذي أدته سابقاً بقمع الشعب"، مشدداً على أن "كل القوانين الدولية تنص على عدم جواز اتهام أي متهم ما لم تكن هناك أدلة ضده، حتى لا يطبق عليه قانون العقوبات إلا في حال وجود أدلة تدينه".

 

ويؤكد قانونيون أن هناك نصاً قانونياً يتم الاستناد إليه في التعاون مع المخبر السري.

 

وقال الخبير القانوني طارق حرب، إن "القانون يسمح بالتعاون مع المخبر السري للحصول على معلومات معينة يستفيد منها القضاء"، مبيناً أن "القضاء يحافظ على سرية المخبر السري، من خلال عدم كشف اسمه، إذ يمنح كل مخبر رقماً معيناً، ويتم التعامل معه في الإفادات والبلاغات وفقاً لرقمه لا اسمه".

 

وأشار إلى أن "عودة المخبر السري مرتبطة دائماً بتصاعد الإرهاب، إذ إن نشاط المخبر السري تزايد سابقاً مع تصاعد الإرهاب في البلاد، وكان الإرهاب قد ضعف خلال الفترة السابقة فضعف التعامل مع المخبر أو انتهى"، مضيفاً "لكن اليوم تحرك الإرهاب من جديد، وهنا تحتاج الأجهزة الأمنية إلى معلومات، فتعيد عمل المخبرين السريين، مستفيدة من النص القانوني".

 

ولم تنحصر معاناة العراقيين مع المخبر السري في السجناء والمحكومين الذين ما زالوا داخل السجون بسبب تلك الوشايات، بل امتدت لتشمل عوائلهم التي بقيت من دون معيل، ولحقت بها أضرار كبيرة جداً.

 

ودعت منظمات حقوقية إلى وضع حلول لتلك المعاناة، وإعادة النظر بالقضايا القانونية والأحكام الصادرة بسبب وشايات المخبر السري.

 

وقال رئيس منظمة "حقوق"، وهي منظمة مدنية عراقية معنية بحقوق الإنسان، ماجد الشريفي، إن "آلاف الأبرياء ما زالوا في السجون بسبب وشايات باطلة من المخبر السري"، معتبراً أنه "يتحتم على القضاء أن يعيد النظر بتلك القضايا، ويوقف تلك المعاناة الإنسانية".

 

ولفت إلى أنه "نتيجة تلك البلاغات الكاذبة، فَقَدت آلاف العوائل معيليها، واضطرت الكثير منها إلى بيع منازلها وكل ما تملك لتوفير لقمة العيش"، مشيراً إلى أن "المجتمع لم يتخلص حتى الآن من تلك التبعات الخطيرة لأعمال المخبرين الذين نشطوا قبل العام 2014، وإعادة التعاون معهم ستكون له نتائج أخرى خطيرة، ما يحتم ضرورة العمل الشعبي والقانوني والسياسي لمنع عودة المخبرين".