محمد عبد الجبار الشبوط ليس من باب الثناء على مصطفى الكاظمي، فكلانا ليس بحاجة الى ذلك، لكني اشعر مبدئيا ان الوضع الراهن قد يكون افضل الاوقات لبحث حاضر ومستقبل شبكة الاعلام، والسبب لان مصطفى الكاظمي كان شريكا في تأسيس الشبكة من جهة، ولأن له سابقة اعلامية مهمة حيث تشاركنا في تأسيس مجلة "الاسبوعية"، حيث تولى رئاسة تحريرها بعد ان غادرت انا هذا الموقع، من جهة ثانية. وعليه فيفترض فيه ان يكون اقدر من رؤساء الحكومات الذين سبقوه على تفهم ما سوف اقوله حول "حاضر ومستقبل الشبكة"، ويلاحظ القارىء انني استثني الماضي من هذا الحديث لانني اؤمن ان المستقبل هو الاهم ولا جدوى من اجترار الحديث عن الماضي الا بمقدار ما تعلمنا منه من خبرات معرفية وعملية. اول ما اريد ان الفت اليه نظر مصطفى الكاظمي اليه هو ان يتذكر دائما ان علاقته بالشبكة يجب ان تكون ضمن قانون الشبكة وليس ضمن المادة (78) من الدستور والتي تقول ان "رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، والقائد العام للقوات المسلحة، يقوم بادارة مجلس الوزراء، ويترأس اجتماعاته، وله الحق باقالة الوزراء، بموافقة مجلس النواب". فالشبكة هيئة مستقلة، لها قانونها الخاص، وهو القانون رقم ٢٦ لسنة ٢٠١٥ المعدل. وحسب القاعدة المعروفة فان الخاص يقيد العام، ومن ذلك ان رئيس الوزراء، مثلا، لا يملك صلاحية تعيين واقالة رئيس الشبكة. وهذا قيد على المادة المذكورة، اذا اعتبرنا رئيس الشبكة بمثابة وزير. هذا مثال لتقريب الفكرة، وليس هو الفكرة الاساسية التي اروم الوصول اليها. يركز قانون الشبكة على المهنية والاستقلالية، والامران مترابطان، وهما اساس كل المواصفات الاخرى المطلوب توفرها في الشبكة وفي ادائها الاعلامي. وقد كان لي دور في كتابة ومناقشة القانون، جنبا الى جنب مع زملاء اخرين. وكان من اهم اهدافنا في كتابة القانون هو تحقيق استقلالية الشبكة من الناحية المالية والادارية والمهنية. وحقق القانون في صيغته الاولى قدرا كبيرا في هذه الاستقلالية، لكن التعديلات التي ادخلها مجلس النواب على القانون قلصت بدرجة ما من هذه الاستقلالية. ولهذا فالشبكة تعمل في النطاق الذي حدده قانونها المعدل لاستقلاليتها. يعلم مصطفى الكاظمي اننا كنا نعمل على ان تكون الشبكة نظيرا لهيئة الاذاعة البريطانية، المصنفة ضمن عنوان "البث العام". ولكن بالتجربة اتضح ان هذا الهدف مازال صعبا، وبعيدا، فرضينا بمفهوم وسط بين البث العام والاعلام الحكومي، وهو "اعلام الدولة". فقد كانت الحكومات المتعاقبة تنظر الى الشبكة بوصفها اعلام الحكومة. وهذا غير صحيح. فهناك فرق كبير بين اعلام الحكومة واعلام الدولة، والافضل منهما بطبيعة الحال اعلام البث العام. المسألة تتوقف، من بين امور اخرى، على التمويل. فالشبكة تمول من المنحة الحكومية. والحكومات تفترض ان لها الحق بموجب ذلك ان تلحق الشبكة بها، او بالمكتب الاعلامي لرئيس الحكومة. وقد لعب المستشارون الاعلاميون لرؤوساء الوزراء ادوارا معينة ومتفاوتة في التأثير على شبكة الاعلام. لكن القاسم المشترك بينهم هو عدم قدرتهم على استيعاب ان تكون الشبكة مؤسسة اعلامية مستقلة فعلا عن التأثيرات الحكومية. والاهم من ذلك ان يؤمن رئيس الوزراء نفسه، والمقربون اليه والعاملون معه، ومكتبه الاعلامي، فضلا عن الوزراء والمسؤولين الاخرين، باهمية استقلالية الاعلام بصورة عامة، وبضرورة استقلالية الشبكة بصورة خاصة. وان يدركوا ان الاعلام المستقل، الحر، المهني، من اعمدة الديمقراطية الاساسية. وهذا يتضمن حرية النشر والتعبير والنقد والرد والحصول على المعلومات.