محمد عبد الجبار الشبوط يشكو المواطنون من الانقطاعات الكثيرة والطويلة بالطاقة الكهربائية. ويتألم اخرون من البطالة. ويعاني اخرون من الفقر. وتطول قائمة مفردات واشمال المعاناة التي تلقي بظلها الثقيل على صدور العراقيين محيلةً حياتهم الى كابوس لا يطاق. ولا توجد حلول عاجلة جدا، لان "الشق كبير والرقعة صغيرة"، كما يقول المثل الشعبي العراقي، او لان "الخلل حاد في المركب الحضاري للمجتمع العراقي"، كما اقول! يقارن العراقيون بين احوالهم المعيشية الصعبة، وبين حقيقة ان العراق من الدول النفطية الغنية. فكيف يكون الانسان فقيرا في بلد نفطي؟ ولكن، لعلهم لا يدرون، ان الخلل الحاد بدأ هنا: من النفط تحديدا. النفط هو احد مفردات العنصر الثاني في المركب الحضاري، واقصد الطبيعة. والعلاقة السليمة بين الانسان والطبيعة في اطار المركب الحضاري تفترض استخراج كنوزها، واستخدامها لتحقيق سعادة الانسان، اي استخدامها لبناء حياة طيبة للانسان، وذلك ببيع هذه المادة، واستخدامها في الصناعة، واستخدام الايراد المالي المتراكم في مشاريع تطوير البلاد. اما العلاقة غير السليمة فهي تتمثل في هدر الثروة الطبيعية، واستخدام عائداتها المالية لغرض الاستهلاك اليومي (مثل النفقات التشغيلية للدولة والرواتب) وانتظار ان تنضب هذه الثروة والبحث عن بديلها. والخلل الاكبر سوف يتمثل في جعل هذه الثروة العمود الفقري للاقتصاد والمصدر الاساسي او الوحيد للاموال. حين تم اكتشاف النفط واستخراجه للاغراض التجارية، في العهد الملكي، حصل تحول كبير في حياة العراق، وتم تخصيص كل عائدات النفط للاغراض الاستثمارية، اي للبنية التحتية، وليس لنفقات الحكومة ورواتبها. وبسبب هذا القرار تم تشييد ما نراه الان من المشاريع الاروائية والسدود وغير ذلك. ولكن بداية الخلل في استثمار الموارد النفطية كانت مع سقوط النظام الملكي وقيام الجمهورية في ١٤ تموز عام ١٩٥٨ حينما الغي مجلس الاعمار وبدات نسبة النفقات التشغيلية تتفوق على نسبة الاستثمار، تدريجيا، حتى وصل الحال الى نسبة ٧٠٪ للنفقات الحكومية بما فيها رواتب الموظفين. وقد تعاظم هذا الخلل في العهد البعثي وخاصة في السنوات بين عامي ١٩٦٨-١٩٩٠، حيث اصبح النفط هو الركن الوحيد للاقتصاد العراقي، وتم هدر عائداته المالية على المغامرات الخارجية للنظام وخاصة في حربي ايران والكويت. وكان هذا من اكبر الطعنات التي وجهها النظام البعثي للمركب الحضاري للمجتمع العراقي. وحين فرضت الامم المتحدة العقوبات الاقتصادية على النظام البعثي ردا على احتلاله للكويت، خرج النفط تماما من معادلة المركب الحضاري المنتج للسعادة، ودخل العراق في اسوأ حالة اقتصادية في تاريخه المعاصر، وهي الحالة التي شكلت اساس مختلف اشكال التدهور والانحطاط في المجتمع العراقي بما في ذلك تفكك منظومة القيم الاخلاقية الحافة بالمركب الحضاري، ما شكل البيئة المناسبة لشيوع الفساد بمختلف اشكاله. وحينما سقط النظام وتولت زمام الامور طبقة سياسية جديدة، كانت هذه الطبقة اعجز من ان تصحح الخلل الحاد في المركب الحضاري لاسباب كثيرة عالجتها في مقالات سابقة تحت عنوان "عيوب التأسيس". وهذا هو جوهر المشكلة التي يعاني منها العراق، والتي اغفلتها كل دعوات الاصلاح ومحاربة الفساد بما في ذلك شعارات وهتافات التظاهرات الاحتجاجية في تشرين الاول من عام ٢٠١٩. ولان المشكلة في المركب الحضاري نفسه، اصبح من الصعب، وربما من المستحيل، معالجة بعض مخرجات الخلل مثل مشكلة الكهرباء، والبطالة، والفقر، بمعزل عن معالجة الخلل الحاد في المركب الحضاري. ان ما يجب ان يدركه دعاة الاصلاح من المواطنين الفعالين ان حل مشكلة الكهرباء وغيرها يبدا من العمل على معالجة الخلل الحاد في المركب الحضاري وليس من تبديل الاشخاص والوجوه. فلا (س) هو المشكلة ولا (ص) هو الحل، انما المشكلة والحل في المركب الحضاري نفسه والقيم الحافة به.