الدكتور عبد القادر القيسي

تشهد محافظة ديالى العراقيّة تزايداً غير مسبوق لعمليات التهجير والقتل العرقي (الطائفي) منذ بدايات العام 2016، في استمرار لعمليات متواصلة في المحافظة منذ الغزو الأميركي عام 2003، بسبب ضعف موقف الحكومة من المليشيات المسلّحة التي باتت تشكل خطورة على الدولة برمّتها، لاسيما ان الحكومة لا تستطيع اتخاذ أي خطوة لتحجيم دورها أو الاقتراب منها ولا حتى سحب بندقية واحدة منها، وبقاء السلاح بيد المليشيات هو بمثابة تشجيعها على ارتكاب الانتهاكات والخروقات الأمنيّة، والمليشيات اليوم في العراق، قوة منافسة لقوة الأجهزة الأمنية، وتمتلك أسلحة متوسطة وثقيلة، بالإضافة الى نفوذ كبير وارتباطات بقادة كبار في الدولة وبدول إقليميّة.

وعلى الرغم من أنّ المطالبات بنزع أسلحة المليشيات تأخذ حيزها القانوني وتتسق مع دعوة المرجع الديني علي السيستاني، والتي رفض فيها جرائم التطهير الطائفي في ديالى، وادان الأعمال الإرهابيّة والاعتداءات على عدد من المساجد والمنازل في قضاء المقداديّة، مبدياً رفضه لوجود مجموعات مسلّحة خارج إطار الدولة؛ والمرجعيّة الدينيّة لها القدرة على ضبط الإيقاع في الدولة، فإذا ظهرت منها بوادر حقيقيّة لاحترام هيبة الدولة وسلطتها، فعندها ستتحرّك الحكومة بالاتجاه الصحيح، لكن الحاصل هناك صمت حكومي غير مبرّر، والأحداث والخروقات وحوادث الخطف التي طالت رعايا أجانب منهم العمال الاتراك والصيادين القطريين والعمال البنغالين واخرهم المستشارين الامريكان وأخرى تحدث في سامراء حاليا ومناطق العراق، وتلك الحوادث اساءت إساءة بالغة لسمعة العراق الدولية.

ان ديالى وفق الوقائع الجنائية المبسوطة والمنظورة والحاصلة سابقا وحاليا، تجعلها خاضعة وواقعة تحت الانتداب المليشياوي؛ الجهات الحكوميّة المسؤولة عن الحفاظ على أمن الوطن والمواطن، تفتقد إلى الجدية ولا تمتلك القدرة والرؤية لبسط الامن لان قسم منها مخترق وينضم مع المليشيات أحيانا كثيرة، وكما أكد ذلك رئيس مجلس النواب، ما منح الفرصة للمليشيات للتمادي بانتهاكاتها وجر البلاد نحو الأسوأ.

أن ما يحدث في محافظة ديالى من تهجير وقتل وتفجير على أيدي الميليشيات هو محاولة لتغيير الهوية المذهبية لهذه المحافظة من قبل هذه الجماعات، وهذا ما أكده النائب رعد الدهلكي بقوله (إن عدد العوائل المهجرة من المقدادية وصل لأكثر من 400 عائلة من خمس قرى متجاورة) وفي سياق متصل، أكدت النائبة ناهدة الدايني، على أن (التهجير القسري شمل 60 بالمئة من مناطق المحافظة، وأن عمليات التهجير هذه تستهدف مكون بعينه كونه الأكبر في ديالى)، وما صرح به عضو اللجنة الأمنية في مجلس ديالى علي الدايني حول المليشيات وجرائمها في المقدادية، وغير بعيد من ذلك ما تضمنه خطاب القاه رئيس مجلس النواب خلال جلسة مجلس النواب في 19 /1/ 2016((فما حدث في محافظة بابل والبصرة واخرها المقدادية يؤشر الى خطورة الوضع حين يجوب السلاح المتفلت والجماعات الاجرامية الطرق ويهددون أمن المجتمع ويتغلبون على إرادة الدولة ويباشرون التخريب والقتل وتهديم المساجد وتهديد السلم الأهلي ويرفعون السلاح جهارا نهارا بوجه رجال الأمن حيناً ومن المندسين مع رجال الامن حيناً اخر، وبعلم وصمت بل ومشاركة رجال الأمن حينا اخر ويصادرون إرادة الدولة وقرارها في مشهد لا يمكن تفسيره او تبريره الا في إطار الذهاب بالبلد الى المجهول))

وهذا ما أكده ايضا نائب رئيس مجلس الوزراء السابق، صالح المطلك، حين اتهم علنا الأجهزة الأمنية في المحافظة بأنها تقف وراء عمليات التهجير.

أن غض بصر الحكومة عن هذه الجرائم يعيد للأذهان تسهيل دخول تنظيم داعش للعراق من قبل سياسيين ونواب في البرلمان وشيوخ عشائر باعتبارها حاميا لسنة العراق كما يعتقدون، أن استمرار هذه الممارسات القمعية بحق المدنيين العزل يسهم في خلق شعور لدى المواطن السني المعتدل في تلك المحافظات أن داعش هو الحامي الوحيد لمصالحه وحياته.

تقرير مركز جنيف الدولي للعدالة:

وفق تقرير صدر مؤخّرا عن مركز جنيف الدولي للعدالة، جاء بعنوان “جرائم التطهير العرقي والطائفي في ديالى”، نسجل منه بعض الانتهاكات التي وردت فيه:

أولا: أن عملية التطهير العرقي والطائفي في ديالى هي مخطّط منتظم ومتكامل ومترابط النتائج يجري تنفيذه على عدّة حلقات بمشاركة الأجهزة المرتبطة بالسلطة القائمة في العراق ومن خلال أذرعها ووحداتها التي تأخذ تسميات وهياكل شتّى، لكنها تلتقي في وحدة الهدف وفي الاتفاق على التنفيذ.

ثانيا: يرصد التقرير بالأرقام والصور والشهادات الموثّقة عملية التغيير الديمغرافي التي تتعرّض لها مناطق وقرى مختلفة من المحافظة، ضمن سياسة ممنهجة لتهجير قسري على أسس طائفية تستهدف عمدا المكوّن العربي السنّي، وهو ما يقع تحت وصف جريمة التطهير العرقي، حسب القانون الجنائي الدولي.

ثالثا: أن محافظة ديالى تسيطر عليها ميليشيات استثمرت الموقف المتأزم لتحكم قبضتها على المحافظة، ومنعت عددا كبيرا من المواطنين الذين اضطروا في وقت سابق للنزوح من العودة إلى ديارهم، ومعظم الذين حُرموا من العودة هم من سكّان المقدادية وحوض سنسل، بقراه الـ33، والذين استباحت الميليشيات والأجهزة الأمنيّة قراهم وبيوتهم وأراضيهم.

رابعا: يقوم بتنفيذ عمليات التهجير، وفق تقرير مركز جنيف، الميليشيات، فرادى أو تحت مسمّى الحشد الشعبي، وذلك عبر تهديد المواطنين وترويعهم ودفعهم للمغادرة تاركين وراءهم بيوتهم وما فيها من ممتلكات ومقتنيات، وبعد ذلك تأتي الميليشيات فتقوم بعمليات سرقة منظّمة لهذه المساكن وقد تحرقها أو تهدّمها فتتحول إلى أماكن غير قابلة للسكن ولا يصبح بمقدور أصحابها العودة إليها، أو تتركها لمن تُخطط لاحقا لإسكانه فيها، حسب المعلومات التي تترشح من المنطقة والتي يتابعها المركز عن كثب.

خامسا: تتهم الشهادات، المرفقة بالتقرير، عناصر برلمانية وسياسية بالتواطؤ لتنفيذ هذا المخطط الخطير الذي يستهدف في المحصلّة النهائيّة إجراء تغييرات ديمغرافية على طبيعة التركيبة السكانية القائمة والمتآلفة منذ أمد بعيد في هذه المحافظة، مما يهدّد الأمن والسلم المدنيين ويفتت هذا النسيج الاجتماعي.

سادسا: يشير التقرير، بان التهجير في ديالى يأخذ أشكالا شتّى من ضمنها الاغتيال المنّظم أو الإعدام الصوري خارج القضاء، وتشير شهادات أعضاء في البرلمان العراقي إلى إعدامات بالجملة، مبينة أن معدل القتل قد بلغ في المقدادية لوحدها الى أكثر من 150 شخص مدني، وقيام الحكومة بتوزيع الأراضي المملوكة للدولة على عدد كبير من الميليشيات.

سابعا: التهجير يتم من خلال قادة الأحزاب والميليشيات المدعومة خارجيا، مستثمرة التوتر الطائفي الذي خلقته السلطة الحاكمة والقوات الامريكية في العراق بعد عام 2006، فشهدت ديالى أكبر موجات للتهجير بين عامي 2006-2007، ووصلت عمليات التهجير ذروتها سنة 2013، ثم تواصلت بوتيرة مختلفة في العامين اللاحقين 2014 و2015 ضمن ذريعة ملاحقة تنظيم داعش، وتواصلت عمليات الهدم المنظّم للبنى التحتية.

والمؤسف ان مبعوث الامم المتحدة ادان جريمة المقدادية ولم يفعل بعدها شيء كعادته وكأنه وقبله اجساد صامتة لا حول لها ولا قوة على ما يجري من تطهير عرقي وطائفي.

جريمة المقدادية ليست اخر الجرائم:

ان احداث ديالى والجرائم الطائفية فيها مستمرة وتفجير الجوامع (اكثر من مائتان جامع) هي منهجية متسلسلة منذ عام 2005 وحتى الان وهي نسف لحقوق دستورية، وفضائع القتل والتهجير الطائفي وحرق المنازل والمحلات في قضاء المقدادية نفذتها مليشيات طائفية مذهبية متعددة الرايات ومتنوعة العناوين والاسماء وبرعاية احزاب طائفية مدعومة خارجيا، واحداث المقدادية تذكرنا حينما أعلن محافظ ديالى(عامر المجمعي) عن تحويل المحافظة إلى إقليم، وكان معه أغلبية العشائر والواجهات السياسية والثقافية على اختلاف مشاربها وعناوينها، قامت الميليشيات بالسيطرة الكاملة على مجلس المحافظة في الثاني من أبريل 2015، حتى أبعد المحافظ عن محافظته بقوّة السلاح، رغم أن إعلان الإقليم هو حق دستوري، وكما حدث أيضا في عهد المحافظ(عمر الحميري) الذي هرب ومجلس المحافظة الى قضاء خانقين يزاولون أعمالهم من هناك.

ان مشاريع الهدم والتدمير للعراق مستمرة، ومسلسل التطهير الطائفي الذي تقوم به المليشيات ورموزها، حشد المرجعية بريء منه، لاسيما ان المليشيات لم تتوقف او ترعوي في محطة المقدادية وحسب بل ستنفذ جرائم أكبر في اماكن أخرى (كما يحدث حاليا في سامراء)، انه الارهاب المحصن سياسيا والمغطى حكوميا والمنسي دينيا والمتغاضي عنه عربيا والمسكوت عنه دوليا.